عربي
قبل أكثر من عقد من الزمن، حذَّر المفكّر عزمي بشارة من "عودة العرب غساسنة ومناذرة"، في استدعاء رمزي لتاريخ المنطقة العربية بين القرن الرابع والسابع الميلادي. لكن التاريخ يتكرّر اليوم بصورة أكثر قسوة؛ فحين يُقرأ الحاضر بعيون الماضي، نلاحظ إعادة إنتاج أنماطه بأدوات جديدة.
في سرديات العرب القديمة، تبرز معركة "يوم حليمة" بوصفها نموذجاً لذلك النمط. وذلك حين تحرَّك جيش المناذرة، حلفاء الفرس، وعلى رأسه ملكهم المنذر، طالباً الثأر لأبيه من قاتليه الغساسنة، حلفاء الروم. وحينما بدأت الكفة تميل للمناذرة، جاء ملك الغساسنة بابنته حليمة، واعداً بتزويجها لمن يقتل المنذر، فاستعار شاب فقير يُدعى لبيد حصاناً، وانطلق به فقتل الملك، حاسماً المعركة بالنصر للغساسنة. غير أنّ المناذرة، قبل انسحابهم، قتلوا لبيداً انتقاماً لملكهم، تاركين ملك الغساسنة يحتفل بنصره، رغم أنّ قتله كان هدف المعركة الأوّل، لينتقل اسم لبيد إلى الهامش، وتُسمّى المعركة باسم حليمة، مع مثلٍ خالد: "ما يوم حليمة بسر".
اليوم يتكرّر النمط مُجدّداً، فكما يقال: "الشعب الذي لا يعرف تاريخه محكوم عليه أن يكرّره"، إذ تعود القوى العظمى لتدير الصراعات في المنطقة بشكل مباشر وغير مباشر، دافعةً بوكلاء محليين، تُغريهم بالوعود، وعندما ينقشع الغبار، لا يجدون سوى الثارات والخراب، فيما يجد أصحاب الأرض أنفسهم أكبر الخاسرين.
غدت المنطقة العربية ساحةً للصراع وتصفية الحسابات وفق أجنداتٍ عابرة للبحار
في التاريخ العربي الحديث، وبعد حقبة من المحاولات الوحدوية الطموحة والشعارات القومية الرنَّانة، عاد الاصطفاف بين الشرق والغرب في أوّل تحدٍّ حقيقي، ولم يقتصر على التموضع السياسي، بل تحوّل إلى معارك طاحنة بين العرب أنفسهم، جعلت كلّ طرف أداة في صراع أكبر منه، حتى استقرّت الدول العظمى في المنطقة، ولم تعد بحاجة لوكلاء، ليفقد العرب القدرة على الفعل المستقل بعد مرور بضعة عقود فقط على إعلان استقلالهم.
ومع اندلاع الثورات العربية، بدا أنّ فرصة الربيع العربي قد حانت لتصحيح الأوضاع، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى خريف، تساقطت فيه البقية الباقية من الأوراق، وانكفأت الدول على نفسها، ليعود الاستبداد بشكل أشدّ كبديل للفوضى، وغدت المنطقة ساحةً للصراع وتصفية الحسابات وفق أجنداتٍ عابرة للبحار.
وفي هذا الفراغ، يمكن قراءة تمدّد نفوذ طهران السياسي والديني، وكذلك تل أبيب التي عزّزت حضورها الإقليمي بالقوّة العسكرية، تجسيداً للحكمة القائلة: "من لا يضع لنفسه خطة يصبح جزءاً من خطط الآخرين".
مع اندلاع الثورات العربية، بدا أنّ فرصة الربيع العربي قد حانت لتصحيح الأوضاع، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى خريف
يُفهم هذا الواقع ضمن استقطاب إقليمي يُعيد إنتاج الثنائية التاريخية؛ فبكين وموسكو تدعمان طهران في سياق يشبه دور المناذرة التاريخي، بينما تبدو تل أبيب وكأنّها تلعب دور الغساسنة بوصفها حليفاً استراتيجياً للغرب.
وكما كان للمناذرة والغساسنة تحالفات وأتباع، فقد اعتمدت طهران على حزب الله والحوثيين والمرجعيات الدينية، بينما استندت تل أبيب إلى أنظمة عربية رسمية، باتفاقيات علنية أو تفاهمات سرّية.
ومن المفارقات أنّ كلّ هذه الأطراف تمتلك مشاريع قومية واضحة وطويلة الأمد في المنطقة العربية، باستثناء أهلها من العرب؛ فتحوّلت الجغرافيا إلى عبء سياسي عليهم، وتراجعوا إلى ما يشبه حالهم في حقبة ما قبل الدولة، مُعيداً إلى الأذهان الحقبة الاستعمارية، حين كانت الجيوش الأجنبية تتقاتل فوق التراب العربي في حروب عالمية لم يكن العرب طرفاً فيها؛ رغم كلّ ما يملكونه من موارد وأدوات نفوذ لم تُستثمر سياسياً، ليكونوا دائماً الطرف الخاسر في كافة الصراعات التي تُدار على أرضهم، أيّاً كان المُنتصر فيها.
يجب الانتقال من موقع التبعية إلى موقع الريادة، عبر بناء رؤية مشتركة تقوم على المصالح لا الشعارات
لكن مهما كان الواقع مريراً، والتحدي يبدو مستحيلاً، إلا أنّ التاريخ لا يخلو من الدروس والعبر؛ فالصراعات التي استنزفت الغساسنة والمناذرة مهّدت في النهاية لظهور قوّة جديدة قلبت موازين المنطقة والعالم بأسره، وكان العرب في طليعتها.
إعادة الكرَّة في عصرنا الحالي ليس مستحيلاً، لكنّه يتطلّب الانتقال من موقع التبعية إلى موقع الريادة، عبر بناء رؤية مشتركة تقوم على المصالح لا الشعارات، وعلى الاستقلال لا الاصطفاف، وحده هذا التحوّل كفيل بنقل العرب من هامش الصراع إلى مركزه.
أمّا إذا استمرّ العرب في مواقعهم كمتفرجين، فقد يُعيد التاريخ إنتاج نفسه بفاعلين جدد. وحينها، سيؤول أمرُ العرب إلى ما آل إليه "لبيد"، غير أنّ لبيداً كان لديه هدفٌ وإن لم ينله، كما أنّه واجه مصيره رافعاً سيفاً مُخضّباً بدماء ملك، ولو على صهوة جوادٍ مستعار.
أخبار ذات صلة.
مان سيتي سيخوض 3 مباريات قوية في 7 أيام
الشرق الأوسط
منذ 20 دقيقة