عربي
تشهد منطقة بحر البلطيق تصاعداً ملحوظاً في التوتر الأمني، وسط تحذيرات خرج بها رئيس أركان الجيش السويدي الأربعاء الماضي، من احتمال لجوء روسيا إلى خطوات "محدودة" لاختبار تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي صدارة هذه السيناريوهات، تبرز فكرة السيطرة على جزر صغيرة أو غير مأهولة أداةَ ضغط منخفضة الكلفة وعالية الرمزية.
ويضم بحر البلطيق مئات الآلاف من الجزر، من بينها مواقع استراتيجية مثل جزيرتي بورنهولم الدنماركية وغوتلاند السويدية، إلى جانب آلاف الجزر الصغيرة غير المأهولة. هذه الطبيعة الجغرافية تتيح تحركات محدودة يمكن توظيفها سياسياً دون الانزلاق إلى حرب شاملة. في هذا السياق، حذّر رئيس أركان الدفاع السويدي مايكل كلايسون في تصريحات صحافية الخميس، من أن روسيا قد تستولي على جزيرة صغيرة لاختبار رد فعل الناتو، مؤكداً أن "اختيار الهدف ليس صعباً في بحر يضم مئات الآلاف من الجزر"، وأن الهدف قد يكون "ترك بصمة سياسية ومراقبة رد الفعل".
تشير تقييمات استخباراتية سويدية، ودنماركية، وفنلندية، وبلطيقية، إلى أن المنطقة أصبحت الأكثر عرضة لاحتمال استخدام روسيا للقوة داخل نطاق الناتو. ويعود ذلك إلى تحولات استراتيجية كبرى، أبرزها انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف، ما حوّل البلطيق إلى شبه "بحيرة أطلسية" تضيق الخناق على موسكو. كذلك تظل المنطقة حيوية اقتصادياً لروسيا، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من صادراتها النفطية، وخصوصاً عبر المضائق الدنماركية، بمحاذاة شواطئ السويد، الإجبارية نحو البحار المفتوحة، ما يمنحها أهمية استراتيجية مضاعفة.
"أسطول الظل" ذريعة محتملة
يتصدر ما يُعرف غربياً بـ"أسطول الظل" الروسي واجهة التوتر، وهو شبكة ناقلات تُستخدم للالتفاف على العقوبات الأوروبية. ومع تشديد الرقابة الأوروبية، وتدخل الجيش السويدي للسيطرة على بعضها في الفترة الأخيرة، بدأت موسكو بمرافقة هذه السفن عسكرياً. وتحذر تحليلات عسكرية من أن روسيا قد تستخدم حماية هذا الأسطول ذريعة للسيطرة على مواقع أو جزر صغيرة تحت شعار "تأمين الملاحة"، دون نية خوض مواجهة واسعة. ويضم بحر البلطيق نحو 400 ألف جزيرة، بما فيها الجزر الصغيرة غير المأهولة. وتمتلك فنلندا وحدها أكثر من 80 ألف جزيرة على طول سواحلها.
تتزامن هذه المخاوف مع ضغوط سياسية داخل "الناتو"، خصوصاً بعد تشكيك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التزام بلاده الدفاع الجماعي، ودخوله في تلاسن مع الجزء الأوروبي من الحلف. هذا الغموض يطرح سؤالاً حاسماً: هل سيرد الحلف الغربي بقوة على تحرك روسي محدود، أم أن التردد قد يشجع موسكو على مزيد من الاختبارات؟
إلى جانب التهديد العسكري، تتصاعد، وفقاً للأوروبيين، مؤشرات الحرب الهجينة: هجمات سيبرانية، تخريب محتمل للبنية التحتية، طائرات مسيّرة، وأنشطة استخباراتية. وتشير تقاريرهم إلى أن روسيا باتت أكثر جرأة وتنظيماً في هذا المجال.
وشكّل ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 نقطة تحوّل، دفع "الناتو" إلى تعزيز وجوده شرقاً عبر نشر قوات متعددة الجنسيات، وتكثيف المناورات، وتقوية الدفاعين، الجوي والبحري، والتعاون الاستخباراتي. كذلك غيّر انضمام فنلندا والسويد ميزان القوى، محولاً البلطيق إلى خط تماس مباشر مع موسكو. رداً على ذلك، سرّعت دول البلطيق التسلّح، عبر مشاريع دفاعية مثل مشروع "أسنان التنين" وزيادة الإنفاق العسكري، مع تركيز على التكنولوجيا. في إستونيا، يتنامى قطاع الدفاع، مدعوماً باستثمارات أجنبية، بينها استثمار كوري جنوبي في شركة "فرانكنبرغ تكنولوجيز" لتطوير صواريخ مضادة للمسيّرات، في ظل دورها المتزايد بالحروب الحديثة.
رغم التصعيد، تستبعد التقديرات الاستخباراتية هجوماً واسعاً في المدى القريب، بسبب انشغال روسيا بحرب أوكرانيا، لكنها لا تستبعد سيناريو "الاختبار المحدود" خلال عامين إذا تبدّلت المعطيات. وهنا يبرز السؤال المفصلي: هل يملك "الناتو" الإرادة للرد الحاسم حتى على تحرك صغير كاحتلال جزيرة غير مأهولة، أم أن التردد سيفتح الباب أمام اختبارات أخطر؟
