عربي
اختار الوسطاء الدوليون تاريخ 15 إبريل/ نيسان الجاري لعقد المؤتمر الدولي الثالث حول السودان الذي استضافته وزارة الخارجية الألمانية في برلين. مع بداية العام الرابع لحرب السودان، ومع تصريحات دولية متزايدة عن البلد الذي أحرقته الحرب، وصفت الأمم المتحدة الوضع بأنّه "أزمة إنسانية غير مسبوقة". وقدّرت منظّمة الصحّة العالمية، ومعها وكالات أممية أخرى، عدد السودانيين المحتاجين للمساعدة بـ33 مليون شخص. وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إنّ 70% من السودانيين يعيشون تحت خطّ الفقر (أقلّ من ثلاثة دولارات يومياً). يجعل ذلك الهدفَين المعلَنَين للمؤتمر مفهومَين، إذ اهتم المؤتمر بجمع التمويل الإنساني العاجل، وإعادة الحرب السودانية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد أن طالت الأزمة، ونازعتها أزمات ساخنة في بقاع أكثر أهميةً بالنسبة إلى العالم.
تحت العنوان الإنساني، سعى الاتحادَان الأفريقي والأوروبي، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد) ودول عربية وإقليمية إلى حشد الالتزامات المالية والموقف الدولي الموحّد، لذلك حضرت التعهّدات المالية، وغاب طرفا القتال. فصدرت من العاصمة الخرطوم ومن قوات الدعم السريع تصريحات التنديد بالمؤتمر ومنظّميه. وسعت السلطات العسكرية السودانية إلى حشد مؤيّديها في أوروبا للتظاهر أمام الخارجية الألمانية تنديداً بما اعتبروه "تدخّلاً دولياً في الشأن السوداني". يتّفق طرفا الحرب (بصورة ما) على أن الاقتتال الأهلي شأن داخلي، ويرى الجيش نفسه المؤسّسة الشرعية التي تحكم الدولة وتحميها، فعلى المجتمع الدولي أن يدعم موقفه ورؤاه، وتنحصر تدخّلاته في دعم الجيش وإعادة إعمار المناطق التي حرّرها من قوات الدعم السريع. أمّا "الدعم السريع" فترحّب بوساطات الترتيبات السياسية ووقف القتال، لكنّها بعد أن أعلنت حكومتها في يوليو/ تموز 2025، أصبحت تبحث عن الاعتراف ولا تجده. لذلك، لم تستسغ المليشيا إبعادها من لحظة محاولة إعادة الحرب السودانية إلى الواجهة.
ركّز مسؤولون كثيرون في المؤتمر على عجز المجتمع الدولي وفشله في التعامل مع السودان. ودعا جميع المتحدّثين إلى وقف إطلاق النار. وهي دعوة تكرّرت حتى باتت ديباجةً محفوظةً في مخاطبة الأزمة السودانية، من دون استجابة من طرفي القتال. فمنذ اليوم الأول للحرب في صباح السبت 15 إبريل 2023، ظلّ الجيش السوداني يؤكّد قبوله وقف إطلاق النار، بعد أن تضع المليشيا سلاحها وتسلّم أفرادها إلى معسكرات تُحدَّد لها. أي أنّه يطلب الاستسلام مقابل وقف إطلاق النار. أمّا "الدعم السريع" فتسارع بقبول المقترحات الدولية، وتتعهّد بوقف الحرب، ثم تهاجم المدنيين. أي أنّها تقبل الهدن ولا تلتزم بها. لكن المجتمع الدولي لم يملّ دعوتهما إلى وقف القتال، والتذكير بأنّها حربٌ لا منتصر فيها. تكرار يذكّر بالمبشّرين في الطرقات الذين يدعون الناس إلى التوبة قبل الواقعة. ربّما لذلك لا يستجيب طرفا الحرب، لأنّ الوقت قد فات، والواقعة قد وقعت. فعلامَ التوبة ووقف الحرب، إن كانت النار قد أحرقت البلاد؟
تمضي حرب السودان على مهل في عامها الرابع. الحرب التي ظنّت المليشيا أنّها ستحسمها في يوم، ودعت قائد الجيش إلى الاستسلام ليُحاكم ويُعدم (!)، وأكّد قائد عسكري في مايو/ أيار 2023 أنّ الحرب ستنتهي في أسبوع أو أسبوعَين. لكن الحرب استمرّت حتى أقعدت البلد المنقسم على نفسه. وبعد سنوات، عاد المجتمع الدولي للحديث عن أهمية وقف القتال، وجمع التمويل اللازم. أثمر المؤتمر عن تعهّدات بما يفوق المليار دولار. والمبلغ، على ضخامته، لا يكاد يغطّي إلا نصف الاحتياجات المقدّرة. لكن في وضع عالمي معقّد كالذي نعيشه اليوم، وبعد سنوات وعقود من الوساطات الدولية والمفاوضات والتعاطي مع أزمات السودان، تبدو قدرة المؤتمر على جمع تعهّدات بمبلغ بهذه الضخامة أمراً يبعث على التفاؤل.
لكن، مع عدم دعوة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى حضور المؤتمر، وموقفهما الساخط عليه إلى حدّ التأكيد أنّ ما يصدر عنه لا يعنيهما، تثور شكوك كثيرة حول ما سيأتي. وقد سارعت المليشيا إلى دعوة المنظّمات الدولية والإنسانية للتسجيل الرسمي لدى سلطتها الموازية في عاصمتها نيالا. أدركت أنّ المال لن يُدفع لها، إنّما للمنظّمات العاملة، فأرادت أن تكون لها عليهم سلطة مثل خصمها العسكري في الخرطوم.
من المتوقّع أنّ الخرطوم ونيالا ستثيران كثيراً من الصخب حول التعهّدات، وتطالبان بألا تُصرف إلا عبرهما. فلطرفَي الحرب تمثّل هذه المساعدات شرعيةً سياسيةً أكثر أهميةً من احتياجات المواطنين، بينما تستمرّ الحرب في انتظار معجزة فات وقتها.

أخبار ذات صلة.
فيس في قمة تركيزه قبل «رولان غاروس»
الشرق الأوسط
منذ 3 دقائق