عربي
يوحي كلام رئيس هيئة الاستثمار السوري عن توجّه حكومته نحو إلزام شركات القطاع الخاص بإدارة 71 مشفى حكومياً و"الاستفادة من عوائدها"، أنّ ثمّة خفّة لدى الفريق الحكومي في التعامل مع القضايا المصيرية، والمواضيع الخطيرة التي تمسّ أكثر جانب من حياة المواطنين أهمية، وتمسّ مستقبل البلاد. ويأتي هذا بعد توقيف عدة مصانع تابعة للقطاع العام كانت تعمل بوتيرة جيّدة، إضافة إلى تسريح كثيرين من موظّفي مصانع أخرى. وبينما يندرج هذا ضمن نهج اقتصاد السوق الحرّ الذي قالت الحكومة إنّها ستتبنّاه، فإنّ هذه الخطوات تُعدّ انعكاساً لرؤيةٍ غير ناضجة حول هذا النهج، تراه عبر تخلّي الدولة عن دورها في رعاية المجتمع، وكذلك تخلّيها عن القطاعات السيادية التي هي، في الحالة السورية، ملك للشعب الذي تحمّل تدنّي مستوى مداخيله ومعيشته، عقوداً، من أجل تأسيسها واستمرارها في العمل.
وكان رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، قد تحدّث عن هذا الموضوع في لقاء تلفزيوني، قبل أيّام، ما رأى فيه كثيرون توجّهاً إلى التربّح من معاناة أبناء الشعب، واستغلال حاجتهم للتطبيب من أجل زيادة المداخيل التي لا يعرفون الجهة التي ستصبّ فيها في النهاية، لأنّه لم يحدّد مَن سيستفيد من عوائدها. واستغرب كثيرون هذا الطرح لتعارضه مع صلاحيات هيئة الاستثمار السورية، لأنّ عائدية هذه المشافي لوزارة الصحّة، وهي وحدها المخوّلة بأن تقرّر ما إذا كان هنالك ضرورة لطرح هذا النوع من الإدارة. لذلك، كان من الأجدى لرئيس الهيئة أن يدعو القطاع الخاص، في الداخل والخارج، إلى المساهمة في تأسيس مشافٍ جديدة وحديثة تتماشى مع المعايير الدولية، يقصدها من يستطيع من السوريين وغيرهم، لا المقامرة بمشافي الفقراء.
لكن، وبغضّ النظر عن موضوع الصلاحية، رأى محلّلون اقتصاديون أنّ لا يحقّ لأيّ طَرف حكومي أن يُجري تغييراً في ملكية هذه المشافي، ولو على شكل إدارة من خارج الملاك، خصوصاً أنّ الحكومة انتقالية، لا تسمح لها القوانين بتقرير مصير مؤسّسات سيادية. والسبب الآخر أنّ ملكية المشافي تعود إلى الشعب السوري الذي دفع ثمنها من عرقه ومعاناته وكفاحه سنواتٍ طويلة، نتيجة انخفاض مستوى الدخل والرواتب، واعتادت حكومات الأسد على تبرير هذا بأنّ الدولة تتحمّل تكاليف الصحّة والتعليم المجّانيين، وتدعم المحروقات والخبز وغيرها، مقابل الرواتب الضعيفة.
ويأتي هذا الكلام في وقت أورد فيه تقرير خطّة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لسورية 2026 أنّ 16 مليوناً و500 ألف شخص يحتاجون مساعدات، بينها المساعدات الطبّية. كما يأتي في غياب خطّة ضمان صحّي متكاملة تغطّي كلّ الخدمات العلاجية. كذلك، يأتي في وقت وصلت فيه نسبة الفقر المدقع في البلاد إلى 80%، مع انعدام الأمن الغذائي لهؤلاء. لذلك، تلزيم هذه المشافي للقطاع الخاص سيولّد كوارث صحّية غير متوقّعة، نتيجة انعدام قدرة المواطنين على دخول تلك المشافي لتلقّي العلاج. وسيؤدّي أيضاً إلى زيادة الأمراض المزمنة، وكذلك المُعدِية، وموت المرضى نتيجة انعدام الرعاية الصحّية. ما سيؤثّر في اقتصاد البلاد نتيجة الجائحات المرضية التي ستظهر، خصوصاً مع إيقاف الحكومة معمل تاميكو لإنتاج الدواء عن العمل الذي كان يُعدّ المعمل الأكبر في البلاد، وكان يوفّر الأدوية بأسعار رمزية.
ملكية المشافي تعود إلى الشعب السوري الذي دفع ثمنها من عرقه ومعاناته وكفاحه سنواتٍ طويلة
ونتيجة الخوف والاستهجان منقطع النظير الذي قوبل به كلامه، سارع رئيس هيئة الاستثمار إلى إصدار بيان توضيحي، في 9 إبريل/ نيسان الجاري، عزاه إلى التفاعل الواسع مع ما طرحه، وأوضح فيه أنّ "الصحّة ليست للبيع، ولن تكون، وأنّ الواقع الطبّي لن يشهد تغييراً يمسّ جوهر دوره الوطني". ويأتي كلامه هذا، على الرغم من أنّه تحدّث في اللقاء التلفزيوني صراحةً عن "الاستفادة من عوائدها"، أي المشافي، أي بيع الخدمة الصحّية، وهو ما يعني في النهاية الخصخصة، كما فسّره محلّلون اقتصاديون. ومن هنا، فإنّ هذا الطرح، وغيره من القرارات التي اتخذتها الحكومة بإغلاق مؤسّسات إنتاجية وزيادة تعرفة الكهرباء والاتصالات، ورفع الدعم عن المحروقات الذي انعكس زيادةً هائلةً في أسعار الخبز والنقل، والكلام عن التوجّه إلى خصخصة التعليم، وبقاء الدخل أدنى من متطلّبات المعيشة... ذلك كلّه يعطي فكرةً عمّا سيكون عليه النهج الذي قرّرت السلطة اتباعه: اقتصاد السوق الحرّ بنسخته السورية.
فنهج اقتصاد السوق الحرّ هذا تحدّث عنه الرئيس أحمد الشرع مبكّراً، وفي الشهر الأول بعد سقوط نظام الأسد. كذلك تحدّث عنه وزير الخارجية أحمد الشيباني ورئيس الحكومة السابقة محمّد البشير، من دون صدور أيّ أسس نظرية تبيّن شكل هذا النهج. أمّا دافعهم إلى تبنّيه، فهو لكي يكون بديلاً ممّا سمّوه "الاقتصاد الاشتراكي" الذي قالوا إنّ الأسد كان يتبنّاه، بينما كان النهج المتّبع خلال حكم الأسد خليطاً اقتصادياً غير واضح المعالم، أدخل البلاد في فوضى اقتصادية، ومنع، مع موانع أخرى، من دخول الاستثمارات الكبيرة. وهنا ليس معلوماً ما إذا كان القطاع العام يُعدّ بالنسبة إليهم رمزاً للاقتصاد الاشتراكي، وهي عقلية تُشيطن كلّ ما له علاقة برعاية الدولة للمجتمع، حتى لو كان في حدّه الأدنى، كما كان متّبعاً أيّام الأسد.
لم ينتهج نظام الأسد اقتصاداً اشتراكياً بل خليطاً اقتصادياً غير واضح المعالم أدّى إلى فوضى اقتصادية
يبدو أنّ الدولة التي تقامر بإغلاق المصانع وتستهدف القطاع العام بمحاولة بيعه، تريد نموذج اقتصاد سوق سوري بحت، يختلف عمّا هو متّبع في أيّ دولة أخرى. وهو وفق الرؤية الحالية للحكومة يُعدّ نموذجاً متطرّفاً، لا يرى في المواطن سوى زبون تبيعه التعليم وتبيعه الخدمات الصحّية، من دون أن تقدَّم له أيّ نوع من الضمان أو التعويضات، بينما الدول الرأسمالية التي تتبنّاه تُصنِّف هذا القطاع سيادياً، وتدعم النقل والتعليم بمراحله كافّة. أمّا الحكومة السورية فتنظر إلى السلع الخدمية والتنموية سلعاً هدفها الربح، مثل الكهرباء الذي زادت تعرفتها عشرات الأضعاف، بينما هي عامل ضروري للنهوض، والمفترض بالحكومة دعم هذا القطاع من أجل أن يسهم في نهوض قطاعات أخرى مثل الصناعة والخدمات. ونتيجةً لذلك، انعكست تلك السياسة إقفالاً للمصانع والمعامل والورشات الصغيرة، بسبب عدم قدرتها على تحمّل التكلفة العالية للكهرباء التي تبتلع مداخيل هذه القطاعات.
كان مفترضاً بالحكومة السورية الجديدة أن تبني على ما هو متوفر لديها من بنية تحتية، عبر تطويرها، وجلب الخبرات السورية لإدارتها، من أجل التغلّب على الفساد والهدر الذي كان ينهشها خلال حكم الأسد، فتحقّق للدولة أرباحاً تنعكس على حياة المواطنين وتؤسّس للتنمية. غير أنّ غياب الخطط، وانعدام الرؤية المستقبلية، وإقصاء الكوادر، وكذلك الموقف المسبق من قطاع الدولة الإنتاجي، جعل هذا القطاع في مهبّ الريح. وليس مفاجئاً، والحال هذه، أن يخرج رئيس هيئة الاستثمار بالطرح الذي أخاف السوريين وأقلقهم، إذ إنّ البيئة المناسبة لقدوم استثمارات جديدة لم تتوافر بعد سنة ونصف السنة على خلع الأسد. غير أنّ هذا كلّه لا يبرّر المقامرة بمؤسّسات تمسّ حياة الناس الذين بات الاستمرار في قيد الحياة أكثر ما يبحثون عنه، وعن خطط لضمانه.

أخبار ذات صلة.
تشميع منزل المتهم الرئيسي في «مجزرة التضامن»
الشرق الأوسط
منذ 10 دقائق