عربي
مع إعلان إيران فتح مضيق هرمز، وتأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب منع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً، تصل المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى مرحلة حاسمة قد تفضي إلى تفاهمات تنهي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ويرى فيها كل طرف أنه حقق "انتصاراً كاملاً"، على الرغم من تأكيد كثير من المحللين أن الحقائق الميدانية والاستراتيجية تشير إلى روايات مغايرة.
وفي هذا السياق، يرى الدبلوماسي الأميركي الأسبق ومدير الدراسات الإقليمية في مجلس العلاقات الأميركية العربية، وليام لورانس، أن الطرفين يقدّمان في المرحلة الحالية "إجراءات مهمة"، غير أنها تستند إلى افتراضات وإشارات قد تؤدي إلى مشكلات في مرحلة لاحقة. وأضاف: "كل طرف يعتقد أنه فاز في الحرب. كل طرف يتوقع مكاسب استراتيجية يريد تثبيتها وفرضها عبر التفاوض، لكن لا أحد منهما يتفاوض بتقديم تنازلات حقيقية حتى هذه اللحظة، بل يعتمد على افتراض ما يحتاج إليه الآخر ويقدم إيماءات وفقاً لذلك".
ووصف لورانس، في حديث مع "العربي الجديد"، التطورات بأنها "إيجابية"، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه لا يمكنها أن تحل بدلًا عن مفاوضات شاملة. وقال "إيران تريد ضمان عدم تعرضها لهجمات جديدة، بينما تريد الولايات المتحدة من إيران تغييراً جذرياً وسريعاً في سلوكها لتصبح جزءاً من المجتمع الدولي بطريقة تخدم الاقتصاد العالمي.. هناك الكثير لم تتم مناقشته بعد".
منع إسرائيل من شن هجمات على لبنان
وذكر لورانس، أن إعلان ترامب وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان بالتزامن مع إعلان فتح مضيق هرمز، يعد أمراً مهماً للغاية عند الإيرانيين، وقال في هذا الصدد: "هم كانوا في حاجة إلى إظهار أنهم استطاعوا إجبار الولايات المتحدة على التنازل، لذا سيراه الإيرانيون على أنه تنازل من الولايات المتحدة ومن إسرائيل. إجبار (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو على وقف قصف بيروت أو موانئ لبنان أو كل لبنان يعتبر تنازلاً. وهذا يعطي إيران قوة أخرى في المعركة، ويرسل إشارة إلى حزب الله والحوثيين وباقي الوكلاء بأن إيران لا تزال تفكر في بقائهم وتدعمهم".
وأضاف أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بواشنطن، أن إيران تعتبر أن من أبرز التنازلات التي حصلت عليها هو وقف الهجوم الذي كان يشنّه نتنياهو على لبنان بشكل سريع مستغلاً مدة محددة، بعدما بدا قبل أيام أن دونالد ترامب منح الضوء الأخضر لهذا التصعيد، من دون وضوح مدته. وأشار إلى أن إيران كانت تحاول ربط الصراعين معاً منذ أسابيع، بينما كانت كل من الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية تحاولان إبقاء الصراعين منفصلين في المفاوضات. وقال "الحقيقة أن ترامب ربطهما معاً بالطريقة التي أرادتها إيران، وأوقف نتنياهو، هذا يعتبر إلى حد ما تنازلاً".
فتح مضيق هرمز
وفي ما يخص التنازلات الإيرانية، قال لورانس إن فتح إيران مضيق هرمز يعد "تنازلاً ملموساً، كما يعد التخلي عن الغبار النووي الإيراني تنازلاً أيضاً، لكنه غير مكتوب في اتفاق حتى الآن ما يجعله أقرب إلى إيماءات منه إلى التزامات فعلية"، مشيرًا إلى أن الإجراءات بين الجانبين تأتي في إطار بناء الثقة حتى وإن لم تكن معلنةً بهذا الشكل. وأضاف: "الجانبان، الأميركي والإيراني، يحاولان اكتشاف كيفية التعامل بينهما بما قد يحقق مصالح متبادلة".
الخسائر الأميركية من العودة للحرب على إيران
يرى لورانس أن استمرار الولايات المتحدة في الانخراط في الصراع الحالي يضاعف من خسائرها الاستراتيجية، مقابل تمنيها بخسائر أقل في حال وقف الحرب. ويؤكد لورانس أن "استمرار العمليات العسكرية يستنزف الترسانة الأميركية، ويقوض الأهداف الاستراتيجية، فضلاً عن إلحاقه ضرراً بالغاً بسمعة واشنطن الدولية". ويشير إلى أن طول أمد الحرب يعزز الموقف الإيراني، في حين يخدم روسيا بشكل مباشر؛ إذ يؤدي استنزاف الأسلحة الأميركية في هذه الجبهة إلى تراجع قدرة واشنطن على دعم أوكرانيا. وخلص إلى أن "الولايات المتحدة منيت بخسائر استراتيجية بالفعل، بيد أن الوصول إلى اتفاق دبلوماسي لوقف الحرب - وهو المسار الذي كان ينبغي اتباعه منذ البداية - يظل الخيار الأمثل للحد من تفاقم هذا الضرر".
خسائر تكتيكية كبيرة رغم المكاسب الاستراتيجية
وعن خسائر إيران، قال لورانس، إن طهران ترى نفسها "رابحة" وهي غير ذلك، إذ حققت بعض المكاسب الاستراتيجية المحدودة، إلا أنها تكبدت خسائر تكتيكية ومادية فادحة فاقت في حجمها ما تكبدته الولايات المتحدة. واستطرد قائلاً "رغم أن إيران حصلت على ورقة ضغط جديدة وهي مضيق هرمز، بدلاً عن ملف السلاح النووي، إلا أنها منيت بالكثير من الخسائر التي ستحتاج إلى سنوات لتعويضها". وخلص إلى أن إيران باتت في وضع أسوأ مما كانت عليه قبل الحرب، إذ خسرت بنيتها القيادية والتنظيمية وقدراتها البحرية ومعظم قدراتها الجوية.
خسائر إسرائيل
ويشير لورانس إلى أن إسرائيل طرف خاسر أيضاً في الصراع وأن خسائرها أكبر من مكاسبها، حتى لو نجحت في شن هجمات على إيران وتدمير سفنها ومنصات إطلاق الصواريخ الخاصة بها. وقال "إسرائيل خسرت أصولاً عسكرية، وتعرضت بنيتها التحتية المدنية للضرر، وخسرت سمعتها التي تتراجع في أوروبا وفي الولايات المتحدة إلى درجة أن هناك نقاشات حول قطع روابط اقتصادية مع إسرائيل". ويضيف "خسرت الكثير من الأرواح. لذا أعتقد أنها خسارة صافية لإسرائيل حتى لو كان نتنياهو حقق ما يريده منذ 20 أو 30 سنة بأن يهاجم إيران بهذا الشكل مرتين". واختتم حديثه بالقول: "يمكنك أن تفوز عسكرياً لكن ستخسر استراتيجياً".
