عربي
أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، اليوم الجمعة، أن معظم دول الخليج المصنفة من قبلها أثبتت مرونتها منذ بداية الحرب في المنطقة. وأشارت إلى أن "تصاعد حدة الأعمال العدائية إلى مستوى أعلى مما كان عليه قبل وقف إطلاق النار، أو استمرار اضطراب النشاط الاقتصادي لفترة أطول، من شأنه أن يختبر هذه الدول بشكل أكبر، سواء في مواجهة المخاطر الفورية أو طويلة الأجل". وقالت إن ذلك "سيُشكل ضغطاً أكبر على تصنيفاتها الائتمانية مما كان عليه الحال حتى الآن".
وقد وضعت فيتش التصنيفات السيادية لقطر "AA" ورأس الخيمة "A+" تحت المراقبة السلبية في أواخر مارس/آذار وأوائل إبريل/نيسان على التوالي. وقالت إن "المراقبة السلبية لقطر، تعكس عوامل من بينها الأثر السلبي للضربة على مجمع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال وإغلاق مضيق هرمز". أما في ما يخص رأس الخيمة، "فتعكس مراقبتها الأثر السلبي المحتمل على النمو على المدى المتوسط". بينما لم تُسفر الحرب عن أي تغييرات في التصنيفات أو النظرة المستقبلية لبقية دول الخليج المصنفة من قبل "فيتش"، حتى بعد استمرار الهجمات عليها لما بعد نهاية مارس/آذار، رغم أن التقدير الأولي للوكالة كان يفترض انتهاء الحرب خلال شهر واحد فقط.
ورأت "فيتش" أن سلطنة عمان جاءت في موقع الأكثر تحصناً بين الاقتصادات الخليجية التي تصنفها، بتصنيف "BBB-" (مستقر) "كونها الأقل تأثراً بالحرب، إذ لا تعتمد صادراتها على مضيق هرمز". وقالت إنه "لهذا السبب، فإن ارتفاع أسعار النفط يصب مباشرة في مصلحة أبرز مؤشرات الجدارة الائتمانية لديها"، لافتة إلى أنها الدولة الخليجية الوحيدة التي رفعت لها توقعات نمو الناتج المحلي الحقيقي لعام 2026 وتوقعات الميزانية المالية في أحدث نسخة من تقرير مقارنة البيانات السيادية الصادر في 31 مارس/آذار.
وأشارت الوكالة إلى أن السعودية تصنيفها "A+" (مستقر)، وكذلك الإمارات وأبوظبي عند "AA-" (مستقر) و"AA" (مستقر) على التوالي، منبّهة بأنهم استفادوا من قدرتهم على مواصلة تصدير كميات كبيرة من الهيدروكربونات عبر خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز. وقالت إن هذا تغيير مسار خطوط الأنابيب والأضرار المؤقتة التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة أدى إلى انخفاض حجم الصادرات، وبالتالي حجم الإنتاج، إلا أن "الأثر المعاكس لارتفاع الأسعار يعني أن عائدات تصدير النفط تتماشى مع مستويات ما قبل الحرب بالنسبة للإمارات العربية المتحدة وأبوظبي، وتتجاوزها بالنسبة للسعودية، مما يدعم المالية العامة".
وفي المقابل، بدت الكويت أكثر تعرضاً من السعودية والإمارات لأثر تعطل هرمز، لأنها "لا تملك مسارات تصدير بديلة تتجاوز المضيق"، كما أن اقتصادها أكثر اعتماداً على النفط. وترى "فيتش" أن هذا يعني أن "أي اضطراب في الإنتاج والصادرات ستكون له آثار ملموسة على الاقتصاد والمالية العامة إلى أن تعود التدفقات الطبيعية". لكن الوكالة شددت في الوقت نفسه على أن هذا الضعف يخففه عامل بالغ الأهمية، يتمثل في قوة الميزانية السيادية الكويتية، التي وصفتها بأنها الأقوى في المنطقة. فالدين الحكومي منخفض، وصافي الأصول الأجنبية السيادية هو الأعلى بين جميع الدول السيادية التي تصنفها فيتش، ويعادل إنفاق 12 سنة من إنفاق 2025. وتحمل الكويت تصنيفاً عند "AA-".
أما البحرين، التي تعد أدنى الدول الخليجية تصنيفاً لدى الوكالة عند "B" (مستقر)، فإن العامل الأهم الذي يخفف من أثر الحرب عليها، بحسب "فيتش"، هو توقع استمرار الدعم الموثوق من دول خليجية أخرى. وأشارت الوكالة إلى أن التزامات التمويل التي حصلت عليها المنامة منذ اندلاع الحرب، ومنها خط مبادلة بنحو 5.3 مليارات دولار مع الإمارات، تعزز تقديرها بأن هذا الدعم سيبقى متاحاً إذا دعت الحاجة.
لكن "فيتش" لم تُخف في المقابل أن خطر عودة التوتر يبقى كبيراً. فالضغوط التي قد تؤثر سلباً على تصنيفات دول الخليج تشمل تعطل قدرتها على تصدير النفط والغاز بشكل أكبر إذا تعرضت أصول الإنتاج أو المعالجة أو النقل لأضرار كبيرة، أو إذا طال إغلاق مضيق هرمز، أو إذا تعطلت حركة الشحن عبر البحر الأحمر بالنسبة إلى السعودية. كما حذرت من أن أي غزو بري لإيران أو تدمير واسع للبنية التحتية الإيرانية للطاقة قد يدفع طهران إلى استهداف أصول مماثلة في الخليج على نطاق أوسع. وأضافت أن أي انخراط مباشر من دول الخليج نفسها في الأعمال القتالية سيشكل بدوره عاملاً ضاغطاً نزولياً على التصنيفات.
وختمت الوكالة بأن تقييمها الائتماني لدول الخليج لن يتوقف عند العوامل الآنية فقط، بل سيأخذ أيضاً في الحسبان ما إذا كانت البيئة الجيوسياسية قد تدهورت بشكل أعمق وأكثر ديمومة، بما يرفع المخاطر القصوى، ويعقد تحديات التنويع الاقتصادي والنمو غير النفطي، وقد يؤدي كذلك إلى تدهور في الميزانيات السيادية، سواء بشكل مباشر أو عبر الانكشاف على الكيانات المرتبطة بالحكومات. وبعبارة أخرى، فإن المرونة التي تتحدث عنها "فيتش" حتى الآن قائمة، لكنها تبقى مرونة مشروطة ببقاء الحرب ضمن حدود يمكن التحكم في آثارها، لا بانزلاقها إلى مرحلة أكثر اتساعاً واستدامة.
