عربي
على بُعد ساعات قليلة من دخول وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي، أول من أمس الأربعاء، في تسجيل مصوّر بعنوان لافت: "إسرائيل في طريقها إلى هزيمة بنت جبيل". جاء ذلك في وقت كانت فيه تقديرات إسرائيلية، أوردتها صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، تشير إلى أن نتنياهو لن يوقف إطلاق النار قبل أن يحقق صورة نصر في المدينة. ورغم أن حديث رئيس حكومة الاحتلال كان مشبعاً بمعاني القوة، إلا أنه، وعلى نحو غير مقصود، منح بنت جبيل صفة كيانٍ موازٍ، يُستدعى بوصفه خصماً قائماً بذاته في مواجهة كيان بقوة إسرائيل.
بل إن نتنياهو، الذي دأب في الأشهر الأخيرة على الحديث عن "تغيير وجه الشرق الأوسط"، أعاد إنتاج معادلة ذهنية يُقارب فيها مدينة محاصرة بالدبابات، وملغّمة سماؤها بالطائرات، بوصفها نداً. لكن استدعاء نتنياهو بنت جبيل لم يكن اعتباطياً، بقدر ما هو توظيف لرمز راسخ في المخيال الإسرائيلي، إذ تمثل البلدة محطة ثقيلة في الذاكرة العسكرية منذ حرب عام 2006، حيث ارتبط اسمها بتعثر لواء غولاني، بل إن المعركة التي دارت فيها تحولت إلى إحدى أبرز الأدبيات حول الحروب غير المتكافئة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.
ولعلّ نتنياهو، المثقل بانتقادات خصومه من نتائج الحرب على إيران، رأى في بنت جبيل ساحة للاشتباك معهم والمناكفة. فالذين حاولوا تحقيق صورة نصر في المدينة عام 2006 هم خصومه السياسيون اليوم؛ فمثلاً، كان وزير الأمن السابق بني غانتس، أحد أقطاب المعارضة الإسرائيلية اليوم، قائداً للقوات البرية في الجيش، وغادي آيزنكوت شديد الانتقاد لنتائج حروب نتنياهو ومعاركه، كان رئيساً لشعبة العمليات، ودان حالوتس رئيساً للأركان. وكان الثلاثة، ومعهم إيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، من مهندسي فكرة "هزيمة بنت جبيل"، بل من ساهموا فعلياً في إدخالها إلى الوعي الجمعي الإسرائيلي بوصفها رمزاً مشتركاً للنصر والهزيمة.
بنت جبيل في مخيال الجنود
في كتابه "من الصحراء ولبنان"، ينقل عسائيل لوبوتسكي شهادات جنود شاركوا في معركة بنت جبيل عام 2006. يقول أحدهم إن قيادة الجيش أصدرت، ظهر يوم الثلاثاء 26 يوليو/تموز، تعليمات ببدء الاستعداد لمغادرة أطراف المدينة إلى الحدود، لكن في ساعات المساء تم تغيير الأمر، وتقرر البقاء في لبنان 24 ساعة إضافية. لاحقاً، تم تلقي مهمة جديدة، وتقرر الدخول إلى بنت جبيل، وكانت البداية في أحد البساتين، الذي دخل إليه 12 جندياً من الكتيبة 51 في لواء غولاني، وأصيب منهم 11 بعد أن تعرضوا لإطلاق نار من خمس اتجاهات.
وفي مقابلة مع موقع واللاه العبري في الذكرى الخامسة للمعركة، وصف أحد جنود الكتيبة بنت جبيل بـ"البلدة الملعونة" التي تركت "تصدعاً عميقاً في نفسية كل جندي قاتل فيها". ويقرّ أحد الجنود من الذين شاركوا في تلك المعركة، في المقابلة نفسها، بأنه يجد صعوبة في إدارة حياة يومية طبيعية، بل إن "هناك جنوداً لم يناموا ليلة كاملة منذ ذلك الحين". بالنسبة له، "لقد كان من الغباء الدخول إلى بنت جبيل.. أرسلونا إلى الموت من أجل صورة". ويعترف آخر بأن "كثيراً من الذين شاركوا في المعركة يتمنى لو أنه ينسى وجوده.. نحن جنود غولاني، كل واحد يحاول إظهار نوع من الصلابة، لكن هناك جنوداً لم يناموا ليلة كاملة طوال هذه السنوات. هناك من هرب من الخدمة العسكرية، وهناك من لم يؤدّها".
أما الجندي ينيف إيماني الذي قرر الحديث دون إخفاء اسمه، فاعترف أنه لا يستطيع النوم، ويخشى العتمة والموت، مكتئباً في سنين الثلاثين على شاطئ البحر، بسبب بنت جبيل وما حل به وبمن معه فيها. ويشدد إيماني على أنه لن يدخل إلى بنت جبيل مرة أخرى، ويرى أن قادته أرسلوه إلى الموت هناك، وأقنعوه بأهمية السيطرة على المدينة، قبل أن يكتشف أن الهدف كان صورة.
يصف الكاتب الإسرائيلي المتخصص بالشأن العسكري بنحاس يحزكيلي هدف عملية بنت جبيل بأنه "مخزٍ" و"مضحك"، مشيراً إلى أن هذا "الهدف الإدراكي" صممه القادة العسكريون والسياسيون ليؤثر بشكل جوهري على رغبة حزب الله في القتال، وذلك في ظل غياب أهداف حقيقية للقتال. وبما أنه تقرر الانتصار بأي ثمن في المعركة، حتى لو بصورة، بعد فشل الحسم في ساحة المعركة، تحولت "معركة العلم" إلى أحد الأهداف الرئيسية للجيش الإسرائيلي في حرب لبنان.
ويرى أن مركزة مدينة أو بلدة في الخطاب هدفها التأثير في مواقف واتجاهات الجمهور الإسرائيلي لإقناعه بنصر غير حقيقي. بل إنه وجه نقداً حاداً للمراسلين العسكريين الإسرائيليين قائلاً: "استحلفكم بالله، اقرأوا ولو قليلاً في نظرية كلاوزفيتز… اقرأوا قليلاً عن مبادئ الحرب، واذهبوا لتحدّي مصادرِكم في المنظومة الأمنية بأسئلة صعبة؛ بدل أن تكونوا مروّجين لتفاهاتهم!".
بنت جبيل: الرمز الذي عاد
تجمع المصادر والأدبيات الإسرائيلية على أن خطاب الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، عشية الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، أسهم في تحويل بنت جبيل إلى مركز اهتمام لدى الإسرائيليين، إذ وصف إسرائيل حينها بأنها "أوهن من بيت العنكبوت"، وهو ما يفسر إطلاق اسم "خيوط الفولاذ" على العملية العسكرية الإسرائيلية التي هدفت إلى احتلالها عام 2006. ويؤكد صاحب فكرة "هزيمة بنت جبيل" قائد القوات البرية آنذاك بني غانتس هذه الفرضية بوضوح، إذ يقول: "خطاب النصر لنصر الله كان في بنت جبيل، لذلك كان مهماً بالنسبة لي القيام بعملية برية في هذه المنطقة، وقد خططت لأن يرافق الجنود طاقم من المصورين والمحررين، يعرضون تفاصيل العملية ونتائجها قصةً تُروى حتى النهاية".
ويكشف المراسلان العسكريان عاموس هارئيل وآفي يسسخاروف أن الخطة كانت إحضار رئيس الحكومة إيهود أولمرت ووزير الأمن عمير بيرتس إلى المكان الذي ألقى فيه نصر الله خطابه، لكي يلقيا خطاب نصر خاصاً بهما، لكن ذلك لم يتحقق حتى نهاية الحرب. كما تم التخطيط لمسيرة نصر في شوارع البلدة، حيث كان من المفترض أن تتحرك قافلة من الدبابات وناقلات الجند المدرعة في الشارع الرئيسي، وجرى إعداد خطاب نصر مسبقاً، هدفه الرد على خطاب "بيت العنكبوت"، ليُلقيه قائد القوة المهاجمة قائد لواء المظليين حجاي مردخاي. كما طُلب من الجنود، الذين زُوّدوا بكاميرات فيديو وصور ثابتة، توثيق الخطاب التاريخي ورفع العلم فوق المبنى الذي ألقى نصر الله عنده الخطاب.
كان العسكريون الإسرائيليون متحمسين لهذه الفكرة، فقد دعم رئيس الأركان دان حالوتس فكرة غانتس، واعتبر أن "الحروب الحديثة هي حروب رموز، وبنت جبيل هي رمز". وتشير نقاشات مسربة من تلك الفترة، نشرتها صحف ومراكز أبحاث إسرائيلية، إلى أن حالوتس رأى أن بنت جبيل تمثل مكاناً رمزياً يجب ضربه: "في بنت جبيل ألقى نصر الله خطاب بيت العنكبوت... هناك رموز قاموا بحمايتها، ومهمتنا الآن أن نظهر أننا هزمناهم في هذا المكان تحديداً". أما رئيس شعبة العمليات آنذاك اللواء غادي آيزنكوت، فقد اعتبر أن "ما هو مهم هو الرمز، القدرة على القيام بذلك وكسر الأسطورة"، وشاركه الرأي نائب رئيس الأركان موشيه كابلينسكي، حتى وإن بلهجة ناقدة، بقوله إن "لا أهمية عسكرية تكتيكية لاحتلال بنت جبيل، لكن هناك معنى آخر... معنى رمزياً".
في النقاشات الإسرائيلية التي جرت بعد الحرب، استُخدمت بنت جبيل مثالاً مركزياً في تفسير القرارات التي اتُّخذت خلال القتال. ففي شهادته أمام لجنة فينوغراد، أشار رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت إلى أن نتائج المعارك في مواقع مثل مارون الراس وبنت جبيل كان لها تأثير مباشر على مسار الحرب. وقال أولمرت: "لو أن نتائج مارون الراس بدت بشكل مختلف، ولو أن نتائج بنت جبيل بدت بشكل مختلف، فمن الممكن أننا لم نكن لنصل في نهاية المطاف إلى النقطة التي وصلنا إليها".
يعكس تصريح أولمرت مدى الأهمية التي أُعطيت للبعد الرمزي والذهني لهذه المعارك، وليس فقط لنتائجها العسكرية المباشرة. ووفقاً لهذا المنطق، لم تكن بنت جبيل مجرد ساحة قتال ميدانية، بل تحولت إلى عنصر مركزي في تشكيل التصورات حول نجاح الحرب أو فشلها، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو على مستوى القيادة السياسية. ويتكرر المشهد نفسه مع نتنياهو، إذ أعلن وقف إطلاق النار قبل أن يعلن هزيمة بنت جبيل. وكانت الصحافة العبرية قد جعلت من بنت جبيل، على مدار أيام سبقت حديث نتنياهو، عنواناً رئيسياً في تغطيتها العدوان على لبنان، حتى جاء وقف إطلاق النار، قبل أن تُستكمل صورة النصر الموعودة، لتعود بنت جبيل وتُفشلها للمرة الثانية.

أخبار ذات صلة.
فيس في قمة تركيزه قبل «رولان غاروس»
الشرق الأوسط
منذ 5 دقائق