عربي
يتحوّل التصعيد الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد البابا لاوون الرابع عشر من خلاف عابر، إلى مواجهة مفتوحة بين خطابَين متناقضَين: خطاب سياسي يوظّف الدين لتبرير القوة، وخطاب ديني يرفض تسييس الإيمان وتبرير الحروب. ومع انتقال السجال إلى مستويات شخصية ورمزية غير مسبوقة، بات التوتر يعكس صداماً أعمق من مجرد اختلاف في المواقف، خصوصاً مع لجوء ترامب إلى وصف البابا بأنه "ضعيف في السياسة" و"يميل لليسار المتطرف"، في مقابل تمسّك الفاتيكان بخطاب أخلاقي يدين "عبادة القوة"، ويعيد تأكيد أولوية السلام.
أحد أكثر أبعاد هذا الصراع إثارة للجدل يتمثل في استخدام الرمزية الدينية في الخطاب السياسي. فبعد نشره في مايو/ أيار العام الماضي صورة له مرتدياً زي البابوية، عاد ترامب أخيراً إلى تداول صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي، تُظهره في هيئة أقرب إلى "المخلّص". هذه الصور، التي لم يعتذر عنها، اعتُبرت محاولة لتعزيز صورة ذاتية تتجاوز السياسة نحو "مرجعية شبه مقدسة"، في مواجهة رمزية البابا بوصفه قائداً دينياً عالمياً. هذا التوظيف للصور لم يُقرأ بوصفه استفزازاً عابراً، بل بصفته مؤشراً على نمط سياسي يمزج بين النرجسية والرمزية الدينية، بما يضع ترامب في مواجهة مباشرة مع مؤسسة كالفاتيكان، التي تمتلك ثقلاً روحياً عالمياً لا يمكن مجاراته بأدوات السياسة التقليدية، خصوصاً أن أتباعها يُقدَّرون بمئات الملايين عبر القارات.
ارتدادات داخل القاعدة الانتخابية
داخلياً، لا تبدو التداعيات متجانسة. فبينما يحافظ ترامب على دعم قوي داخل التيار الإنجيلي وحركة "ماغا"، يختلف المشهد لدى الكاثوليك الأميركيين الذين يشكّلون نحو خُمس السكان، وغالباً ما يلعبون دور الكتلة المتأرجحة في الانتخابات. بالنسبة لهذه الشريحة، قد يُنظر إلى مهاجمة البابا بوصفه إهانة مباشرة لمرجعية دينية عليا، ما يدفع بعض الناخبين المعتدلين إلى إعادة حساباتهم السياسية. وتزداد حساسية هذا الملف مع تحذيرات من أن استهداف الرموز الدينية قد يكون مكلفاً انتخابياً، لأنه يمسّ "المنطقة الرمادية" التي تحسم نتائج الاستحقاقات أكثر من القواعد الصلبة.
لا يمرّ هذا الخلاف دون انقسام داخل اليمين الأميركي نفسه. فبينما يراه أنصار ترامب تعبيراً عن "حماية القيم"، يعتبره آخرون تصعيداً غير محسوب يسيء لصورة المحافظين عالمياً، ويعكس ميلاً إلى الصدام مع المؤسسات الدينية التقليدية بدل إدارتها. في هذا الإطار، يتهم البعض دولة الاحتلال ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو بلعب دور سلبي حول صورة أميركا، ما يفتح نقاشاً غير سار للوبيات الصهيونية في داخل المجتمع الأميركي. هذا الانقسام يكشف توتراً أعمق داخل التيار المحافظ بين شعبوية سياسية تصعيدية، ومحافظة تقليدية أكثر تحفظاً تجاه الرموز الدينية ومؤسساتها.
تداعيات دولية وصورة الولايات المتحدة
خارج الولايات المتحدة، تبدو الكلفة أكثر حساسية. فالبابا ليس مجرد زعيم ديني، بل مرجعية أخلاقية عالمية يتجاوز تأثيرها حدود الفاتيكان، خصوصاً في أوروبا وأميركا اللاتينية وبعض دول آسيا ذات الحضور الكاثوليكي الواسع. في هذا السياق، يُنظر إلى الهجوم عليه باعتباره تجاوزاً لخط رمزي أحمر، يضع السياسة في مواجهة مع القيم الدينية والثقافية. في أوروبا، مثل إيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا، وبولندا، وغيرها، يسود انزعاج دبلوماسي غير معلن، إذ تتجنّب الحكومات التصعيد العلني، لكنها تدرك أن مثل هذا الخطاب يعمّق صورة الولايات المتحدة كقوة تصادمية حتى مع حلفائها.
ويبرز هنا موقف رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، التي تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع ترامب من جهة، واحترامها للحساسية الفاتيكانية من جهة أخرى، دون الانزلاق إلى أي اصطفاف مباشر.
أميركا اللاتينية: ذاكرة طويلة من الشك... ثبات أخلاقي فاتيكاني
أما في أميركا اللاتينية، من البرازيل إلى الأرجنتين والمكسيك، فيأخذ الجدل بعداً أعمق وأكثر رمزية. فالهجوم على البابا لا يُقرأ بوصفه خلافاً سياسياً منفصلاً، بل بصفته امتداداً لذهنية يُنظر إليها تاريخياً أنها مرتبطة بـ"الهيمنة الأميركية". في الذاكرة السياسية للمنطقة، تستحضر الأجيال محطات مثل الانقلاب التشيلي عام 1973، وما رافقه من إسقاط حكم سلفادور أليندي، أو الدعم الأميركي لقوات "الكونترا" في نيكاراغوا وللديكتاتوريات عبر السنين، وصولاً إلى الضغوط الاقتصادية على فنزويلا، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، فضلاً عن خطاب ترامب المهدد بغزو كوبا، وتصريحاته حول الهجرة والجدار الحدودي مع المكسيك، وأحياناً بلغة استعلائية ضد الشعوب والدول.
إلى ذلك، يتحول التعاطف مع البابا إلى موقف يتجاوز الدين، ليصبح تعبيراً رمزياً عن رفض "لغة القوة"، وإعادة تأكيد أنّ الشرعية الأخلاقية لا تُفرض من الخارج، بل تُبنى داخل المجتمعات. في المقابل، يواصل الفاتيكان، بقيادة البابا لاوون الرابع عشر، اعتماد خطاب هادئ لكنه حازم، يقوم على رفض الحروب، وانتقاد العنف، وتجنّب الدخول في سجالات شخصية مباشرة. هذا النهج يعزّز صورته مرجعيةً أخلاقيةً فوق السياسة، ويجعل أي هجوم عليه يبدو استهدافاً لقيم أوسع من الشخص ذاته.
صدام بين القوة والأخلاق
في جوهره، يكشف هذا الخلاف عن مواجهة بين رؤيتَين للعالم: رؤية تضع القوة والسيادة في مركز السياسة، وأخرى تجعل من الأخلاق والإنسانية معياراً أعلى. وبينهما، يبدو ترامب أقرب إلى نموذج الزعيم الذي يوسّع معاركه بدل احتوائها، حتى عندما يكون الخصم مؤسسة دينية عالمية ذات ثقل رمزي هائل. قد لا ينعكس هذا الصراع بخسائر فورية على ترامب داخل قاعدته الصلبة، لكنه يفتح مساراً تدريجياً من التآكل السياسي: تراجع محتمل في دعم الناخبين الكاثوليك (22% من السكان)، إذ ثلث منهم يميل للجمهوريين، وثلث للديمقراطيين، وثلث متأرجح يُحسم وفق الخطاب السياسي والمرشحين، إلى جانب التعقيد في صورته الدولية، وتنامي التناقض بين خطابه الديني وسلوكه السياسي.
وفي لحظة يحتاج فيها إلى توسيع تحالفاته لا تضييقها، يبدو أنّ هذا التصعيد يضيف عبئاً جديداً على رصيده السياسي؛ عبء قد لا يظهر أثره فوراً، لكنه يتراكم ببطء في العمق الانتخابي والدبلوماسي.

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 25 دقيقة