عربي
لا، ليس الجسر الذي في الأغنية التي ترندح نفسها في عقلي منذ صباح سريان الهدنة الباكر، ومع توالي صور الشاشات التي تنقل لهفة أهل الأرض في العودة إلى قراهم وبلداتهم، بل هو تحديداً جسر القاسمية القتيل. الجسر الذي يصل جنوب نهر الليطاني، المشتهى من العدو، بشماله وبقية الوطن. الجسر الذي أصرت إسرائيل على تدميره، فأعادت قصفه مرات ومرات، معتقدة لغبائها، أن الجسر هو فعلاً مجرد جسر، يكفي أن تقصفه لتمنع الناس من عبوره.
لكن الأغنية لم تولد في عقلي من فراغ. فها هم، فعلاً، وكما قالوا ووعدوا وسبق أن فعلوا "يعبرون الجسر في الصبح خفافاً"، على أجنحة نوع من فرحٍ فوار ومعدٍ، يكاد يكون مرئياً، مندفعاً كما تندفع الرغوة من قنينة شمبانيا جرى خضّها طويلاً. يعودون، بعد أن انتظروا منذ منتصف ليل أمس موعد سريان الهدنة. ناموا مع أطفالهم وحقائبهم في سياراتهم التي كانت في كثير من الأحيان مأواهم في نزوحهم، على أمل السير مع تباشير الفجر إلى الجنوب والبقاع والضاحية، حيث تنتظرهم قراهم أو ما تبقى منها.
يعبرون الجسر، وهم شاخصون إلى ما بعده. إلى بيوت يأملون أن تكون قد نجت وصمدت كما فعلوا لـ45 يوماً. يعلمون، لا شك، أن أحزاناً كثيرة تنتظرهم هناك في القرى المهدمة، والتي جرف العدو حقولها وفخخ أنقاضها ودنس حرمتها وسرق بيوتها. يعلمون، أن جنازات كثيرة تنتظر رجوعهم لإعادة الودائع الحبيبة التي ووريت مؤقتاً في مناطق أخرى من الوطن، بانتظار وصولها إلى مثواها الأخير في مسقط الرأس. يعلمون، ومع ذلك، "يعبرون الجسر خفافاً" بفرحة من أدى واجبه، عمل وأفلح، صمد وأنقذ، تكاتف وصبر ورضي ببذل الغالي من أجل هذه العودة.
وهم في عبورهم ذاك الذي تنقله شاشات العالم بدوا معتادين على ما ينتظرهم، ومتحسبين. بعضهم، ربط بعض الحاجيات الأساسية على سطح السيارة: ما تيسر من أغراض ضرورية كالفرش والأغطية، للبيات ربما في الخلاء أو بما تبقى من البيوت إن كانت لا تزال على قيد الحياة.
فرح فوار تتدفق رغوته من الشاشات، من الشوارع والطرقات، من عواجل الهاتف ومن مجموعات الأصدقاء الذين سهرنا وإياهم لشهر ونصف الشهر، نتسقط الأخبار ونقلبها. وليلة أمس إثر إعلان توقف إطلاق النار الهش، لم أستطع النوم. بكاء التفريج عن الكرب اجتاحني، وكل ما منعت نفسي من فعله فاض في تلك اللحظة. لم أستطع النوم من التأثر ولكن أيضاً بسبب "رصاص الابتهاج" الذي كان يلعلع في العاصمة وضاحيتها.
وعلى الرغم من استيائي التاريخي من هذه العادة السيئة والخطيرة، والتي لم تستطع حتى قيادات هذا الجمهور من منعه عن فعلها حتى بالتحريم الديني، أقول في نفسي، هيا، لا بأس. فليفرحوا كما يستطيعون. لهم هذه الليلة على الأقل، الحق في صوغ أبجدية فرحهم كما يشاءون. فقد حزنوا كثيراً، ومراراً، وطويلاً. وللأسف، أكاد أجزم، أن الكثير من الأحزان لا تزال تنتظرهم طالما أن هذا الكيان هنا، يجثم على صدر فلسطين وصدر السوريين وصدرنا.
يا له من فرح فريد لا يعرف طعمه إلّا من سبق له أن تذوقه. فرح تختلط فيه دموع النجاة والعودة برأس مرفوع، بدموع وعي الثمن الباهظ والثقيل. الثمن المدفوع مرة بعد مرة من اللحم والدم كما لو كان لعنة أبدية.
يعبرون الجسر. ها هم يفعلون، بعد أن قام جيشهم اللبناني، جيشهم العزيز الذي يريد العدو له أن يكون مجرد شرطة للمحتل ضدهم كما حاول وفشل دائماً، ها هو هذا الجيش يمهد لهم جسر العودة، يرمم ما تبقى من جسر القاسمية، متعاوناً مع المواطنين والدفاع المدني لردم حفره، وتسنيد ما بقي منه ليكون صالحاً للعبور.
إنه الجسر. ينظر إليه العدو، يراقب العابرين مرحين فوقه، غير عابئين بتحذيراته التي لم يكف عن إطلاقها حتى بعد وقف إطلاق النار. ينضح الحسد من تعابير مستوطنيه الذين كانوا يراقبون العابرين. أما إعلام العدو الذي قصف جسر القاسمية زاعماً أنه يستطيع بذلك فصل الجنوب عن جسد الوطن، فها هو يراقب بدوره عودة الناس قائلاً: "هذا الصباح، كما ترون، يعيد اللبنانيون بسرعة تأهيل الجسر الذي قصفناه فوق الليطاني ويعودون إلى المنطقة الواقعة جنوبه".
أما مستوطنو الشمال النازحين، فيسخرون بمرارة من حكومتهم قائلين "حتى هذا الهراء الذي بيع لنا عن قصف الجسور بين جنوب الليطاني وشماله لا يساوي ثمن القنبلة التي قصفته".
فأهلنا. يعبرون الجسر، حتى عندما لا يكون هناك جسر. تماماً كما فعلوا حين خاضوا في مياه النهر الموحلة، والتي كان جسر الزرارية/ طير فلسيه، يرفعهم فوقها ليعبروا، فقصفته إسرائيل هو الآخر.
كثيرون عبروا وسيعبرون اليوم إلى بيوتهم. لكن غصصاً أخرى تبقى: فجنوبيون كثر غيرهم لا زالوا يراقبون العائدين من بعيد. فرحون لأجلهم بالطبع، ولكن، متحسرين لعدم قدرتهم على الوصول إلى قراهم في الحافة الأمامية. هذه القرى التي دفعت الثمن الأعلى تاريخياً، والتي سوّى العدو المتغوّل عمرانها، مرة إضافية، وحرفياً بالأرض.
حوالى الظهر يرن هاتفي. اعتقدت أن الصديق الذي ظهر اسمه على شاشة هاتفي، والذي كنت قد عاونته لإيجاد بيت لعائلته في بيروت، يريد مساعدتي في شيء ما.
لكن، يأتيني صوته مشعاً بالبهجة "الحمد لله على سلامتنا جميعاً" يقول، ثم يسارع إلى دعوتي لزيارته وعائلته في قريته التي وصل إليها للتو! أضحك لهذه الدعوة، "مش حتى ترتاحوا شوي؟" أسأله ممازحة، لكنه يكرر الدعوة بحرارة من لا يستطيع أن ينام قبل أن يفي ديناً يثقل عنقه، ولو لم يكن كذلك، متشوقاً لرد الجميل كما لو كان بذلك يسترد كيانه، ويشعره أنه قد عاد نداً لمواطنيه.