عربي
تشكل الحرب في المنطقة، أحدث تذكير بكيفية إعادة السلع تشكيل المشهد الجيوسياسي، ما يضع عملات النرويج وكندا وأستراليا ونيوزيلندا في موقع متقدم للتفوق على نظيراتها الكبرى. وتشمل هذه العملات، المعروفة بـ"العملات السلعية" نظراً لارتباطها الوثيق بأداء صادرات بلدانها اثنتين من أفضل العملات أداءً بين اقتصادات الأسواق المتقدمة، وهما الكرونة النرويجية والدولار الأسترالي (الأوسي). وارتفع كلاهما بأكثر من 7% مقابل الدولار منذ بداية العام، في ظل ما تُوصف بأنها أسوأ اضطرابات عالمية في أسواق الطاقة، نتيجة الحرب، مع تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي.
ويرى مستثمرون أن هذه العملات قد تحقق مكاسب أكبر، في ظل نظام عالمي يتجه نحو مزيد من الانقسام، مدفوعاً بتوجه الولايات المتحدة نحو سياسات أحادية، وصعود الصين، ما يدفع الدول إلى إعطاء أولوية متزايدة لأمن الطاقة وتأمين الموارد الأساسية اللازمة للتحول الأخضر وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أشار مانيش كابرا، استراتيجي الأصول المتعدّدة في "سوسيتيه جنرال"، لوكالة رويترز إلى وجود فجوة كبيرة بين الأداء الضعيف نسبياً للعملات السلعية وارتفاع مؤشرات السلع خلال السنوات الماضية، ما يترك مجالاً واسعاً أمام هذه العملات لتحقيق مزيد من المكاسب. وأوضح كابرا أنه خفّض انكشافه على اليورو منذ بداية الحرب، مقابل زيادة استثماراته في العملات السلعية الأربع بشكل متوازن، معتبراً أن "التركيز الجيوسياسي والاستراتيجي على السلع لم يُسعَّر بعد في هذه العملات".
من جهتها، قالت لورين فان بيلجون، مديرة المحافظ في "Allspring Global Investments"، إنها اتخذت مركز شراء على الكرونة النرويجية مقابل الجنيه الإسترليني، مشيرة إلى أن النرويج، بصفتها منتجاً رئيسياً للنفط والغاز، تمثل ركيزة أساسية لأمن الطاقة الأوروبي، خصوصاً مع تراجع الاعتماد على الإمدادات الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وأضافت أن التحول نحو العملات السلعية، إلى جانب التوقعات بسياسة نقدية متشددة من البنك المركزي النرويجي في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، كانا من أبرز دوافع هذا القرار. وتُظهر بيانات "بنك أوف أميركا" أن فئة الأصول المرتبطة بالسلع تُعد الأفضل أداءً منذ بداية العام، مع ارتفاع بنحو 42% مقارنة بـ6% فقط خلال العام الماضي.
وشهدت أسعار النفط تقلبات حادة بفعل الحرب في إيران، لتبقى قرب مستوى 100 دولار للبرميل، فيما سجل النحاس أعلى مستوياته في ستة أسابيع، في حين لا يزال الذهب مرتفعاً بنحو 50% مقارنة بالعام الماضي رغم تراجعه مؤخراً. ولفت كابرا إلى أن إدراج الحكومة الأميركية النحاس ضمن قائمة المعادن الحيوية للاقتصاد والأمن القومي يعكس الأهمية المتزايدة للسلع في الحسابات الجيوسياسية. ورغم هذه المعطيات، تبقى العملات السلعية عرضة لمخاطر تباطؤ النمو العالمي نتيجة الحرب، إضافة إلى عودة الدولار للارتفاع كملاذ آمن، ما حدّ جزئياً من جاذبيتها.
ومع ذلك، بدأت عملات كالدولار الكندي والنيوزيلندي والأسترالي بالتعافي مع تزايد الآمال في وقف إطلاق النار. وتُعد أستراليا، إحدى أبرز القوى التعدينية عالمياً، مصدراً رئيسياً للفحم والغاز الطبيعي المُسال، لكنها في المقابل تعتمد على واردات المنتجات النفطية المكرّرة، ما يجعلها عرضة لتقلبات الطاقة. وقالت مالين روزنغرين، مديرة المحافظ في "RBC BlueBay"، إن "الاستقلال وأمن الطاقة يشكلان الأولوية في المرحلة الحالية"، مشيرة إلى أن أستراليا تواجه تحديات في هذا المجال، قبل الانتقال إلى تقييم التأثيرات متوسطة المدى للسلع على النمو وأسعار الصرف.
وحتى في حال انتهاء الحرب في المنطقة، فمن المرجح أن تبقى أسعار الطاقة مرتفعة نسبياً، في ظل بطء عودة تدفقات الطاقة إلى طبيعتها والحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة. ويرى فان لو، رئيس استراتيجية الحلول العالمية في "Russell Investments"، أن هذا الواقع يفتح المجال أمام الاستثمار في العملات السلعية، موضحاً أنه في حال استقرار أسعار النفط بين 85 و100 دولار للبرميل بدلاً من 65 دولاراً، فإن الدول المصدّرة للطاقة والمستقرة سياسياً، مثل النرويج وكندا، ستكون في موقع أفضل، وأشار إلى أنه لا يزال يحتفظ بانكشافه على هذه العملات. بدوره، اعتبر أندرياس كونيغ، رئيس تداول العملات العالمية في "أموندي"، أن العملات السلعية ستظل خياراً جذاباً بغض النظر عن مآلات الصراع، لافتاً إلى أنها تستفيد من تحسن شهية المخاطرة في الأسواق، رغم حساسيتها العالية للتقلبات.
(رويترز)

أخبار ذات صلة.
3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا
الشرق الأوسط
منذ 6 دقائق