عربي
هزّ العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان ثقة سكان المستوطنات الحدودية بحكومة الاحتلال الإسرائيلي من جديد، خاصة بعد أن اتضحت لهم الفجوة الكبيرة بين الواقع وتصريحات المسؤولين، في المستويين السياسي والعسكري، بشأن حزب الله وقدراته، وكذلك الوعود التي وزّعها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس بشأن لبنان. وجاءت الاشتباكات مع حزب الله وإطلاقاته الصاروخية بعد دخوله المواجهة عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، لتُبدد الكثير مما روّجت له إسرائيل عقب جولة القتال السابقة تحت اسم "سهام الشمال"، بأنه مُني بهزيمة، أفقدته معظم قدراته العسكرية.
وأظهرت المعارك داخل لبنان وكثافة الصواريخ التي أطلقها حزب الله نحو الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وما تسببت به من أضرار، فضلاً عن القتلى والجرحى، صورةً مغايرة، وهو ما قد يفسر أيضاً ردود الفعل الغاضبة من قبل رؤساء السلطات المحلية في المستوطنات والبلدات الحدودية، إزاء قرار وقف إطلاق النار، قبل استكمال الأهداف التي حدّدتها إسرائيل ووضع حلٍّ جذري لمعضلة حزب الله.
ويرى هؤلاء أن التهديدات لا تزال قائمة، رغم اعترافهم في الوقت ذاته بأن حزب الله تلقّى ضربات مؤلمة ولم يعد التنظيم نفسه الذي كان قبل الحرب، حتى منذ الجولة القتالية السابقة. ويقرأ الكثير من معارضي وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه ينمّ عن عودة إلى نمط العمل نفسه، الذي لا يوفّر حلاً جذرياً، بل يتيح لحزب الله فرصة لإعادة تنظيم صفوفه وترميم قوته، وهو ما حصل ما بين الجولتين السابقة والحالية وحتى على مدار سنوات ما بين حرب وأخرى، رغم أنّ تصريحات سابقة لمسؤولين إسرائيليين عقب وقف إطلاق النار من نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 كانت أقرب إلى إعلان "النصر المطلق".
انعكست خيبة الأمل الإسرائيلية في تصريحات رؤساء سلطات محلية، وتحليلات وتقارير صحافية كثيرة. من المواقف ما عبّر عنه رئيس مجلس مستوطنة "المطلة"، ديفيد أزولاي، بأن سكان الشمال يشعرون "اليوم بأنهم تعرّضوا للخيانة مرة أخرى، تماماً كما شعروا خلال حرب السيوف الحديدية". وأضاف: "حقيقة أنّ رئيس الولايات المتحدة هو من يعلن عن وقف إطلاق النار تُظهر إلى أي حدّ رئيس حكومة إسرائيل منفصل عن الشعب، ومنفصل عن واقع سكان الشمال". وقال إن نتنياهو فشل مرة تلو الأخرى في تحقيق الأمن لمواطني إسرائيل، واتّهمه بأنّه "يعمل من أجل مصالح أخرى بدلاً من العمل لصالح المواطنين". وبحسب قوله، فإن هذه الحكومة غير قادرة على نزع سلاح حزب الله.
من جهته، اعتبر رئيس المجلس الإقليمي لمستوطنة "ماطيه آشر"، ورئيس منتدى بلدات خط المواجهة، موشيه دافيدوفيتش، أنّ "الاتفاقات تُوقَّع بربطة عنق في واشنطن، لكن الثمن يُدفع بالدم، وبالبيوت المدمّرة، وبالمجتمعات المفككة هنا، في ماطيه آشر وعلى خط المواجهة". وبحسب زعمه فإن "إعلان وقف إطلاق نار لا يتضمن تطبيقاً حازماً ضد حزب الله على أي خرق، ولا منطقة أمنية خالية من الإرهاب (على حد وصفه) حتى نهر الليطاني. هذا ليس إنجازاً سياسياً، بل هو حكم بالإعدام وانتظار المجزرة القادمة".
أمّا رئيس المجلس الإقليمي "ماروم هجليل"، عمّيت سوفر، فقال إنّه "ليس منطقياً أن يربط ترامب الساحة اللبنانية بالجبهة الإيرانية. يجب السماح للجيش الإسرائيلي بالانتصار وتحقيق الهدف الذي حدده المستوى السياسي، وهو نزع سلاح حزب الله". وبحسب قوله: "نحن نفضّل أن نعاني قليلاً بعد، وأن نعرف أن التهديد قد أزيل، على بضعة أيام من الهدوء الوهمي الذي سيُميّع كل العملية، ثم نستيقظ على الكارثة التالية".
اقتلاع زخم الحرب
في السياق، ذكرت صحيفة هآرتس العبرية، في تقرير للمحلل العسكري عاموس هارئيل، اليوم الجمعة، أنّ وقف القتال في الجبهتين، اللبنانية والإيرانية، يقتلع زخم الحرب ويقلّل إلى حدّ ما من احتمال تجدّدها، معتبراً أن إسرائيل أوقفت الحرب في لبنان "ولم تُحقق سوى نصف رغبتها". وبحسب التقرير سيكون من الصعب على نتنياهو إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن أهداف الحرب قد تحقّقت، بينما لم يُنزع سلاح حزب الله، والنظام الإيراني ما زال قائماً. أما المأزق الأكبر بالنسبة له، فهو أمام سكان مناطق الحدود الشمالية، الذين عادوا إلى منازلهم بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، بعدما وعدهم الجيش، وخاصة الحكومة، بأن حزب الله "قد هُزم ولم يعد يشكّل خطراً".
ولفت هارئيل إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيعرض إحصاءات عن قتل عدد كبير من عناصر حزب الله، والذي يصل وفقاً لرئيس أركان جيش الاحتلال إيال زمير إلى أكثر من 1700 في الجولة الحالية، وتدمير البنى التحتية. لكن هذا "لن يواسي سكان الشمال، الذين اكتشفوا أن قوة النار وروح القتال لدى حزب الله أشد بكثير مما قيل لهم".
من جهته كتب الصحافي بن درور يميني، في "يديعوت أحرونوت"، أنه "لا حاجة إلى تشاؤم وطني. ففي الظروف التي نشأت، وقف إطلاق النار ليس الحل الأفضل، بل هو الحل الأقل سوءاً. لأن من يبحث عن حلول مطلقة، ومن يعتقد أنه يمكن إزالة تهديد حزب الله أو نزع سلاحه، فهو يعيش في أوهام. هذا لم يحدث، ولن يحدث".
وعلّق على ما قاله رئيس مجلس مستوطنة "مرغليوت"، إيتان دافيدي، بأن "جنود الجيش الإسرائيلي يقومون بعمل ممتاز. فلماذا لا يسمحون لهم بمواصلة العمل؟". واعتبر الكاتب أن "الصرخة صادقة. لكن يجب أن يُقال لدافيدي: لقد خدعوك. ضللوك. حتى أشهر طويلة إضافية من العمل الممتاز لجنود الجيش الإسرائيلي لن تقود إلى الهدف الموعود. رئيس الحكومة ووزير الأمن، اللذان وزّعا الوعود والأوهام بمعدل مرتين في اليوم، يستحقان كل الإدانة. لقد كذبا. وكانا يعلمان أنهما يكذبان". وتابع "مرة أخرى علينا أن نشكر ترامب لأنه أخرجنا من فخ الأكاذيب. من المفيد التذكير، حتى لو كان الأمر غير مريح، أن عامين من الحرب ضد حماس لم يؤديا إلى إزالة التهديد ولا إلى نزع سلاح حماس. عامان كاملان! حزب الله أقوى بكثير (من حماس)".
