فريدريك وايزمان في "موبي": شاهد ادّعاء على فظاعات وتعقيدات
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
  تزامنَ رحيل المخرج الوثائقي فريدريك وايزمان (16 فبراير/شباط 2026)، عملاقٌ بين أقرانه، عن 96 عاماً، مع رحيل أيقونة التمثيل روبرت دوفال (1931 ـ 2026) في اليوم نفسه، ما حال دون إمكانية تكريمه بشكل لائق في وسائل الإعلام الرئيسية. لا شكّ أن استمرار اعتبار الفيلم الوثائقي بمثابة "البطّة القبيحة" في عالم السينما، وشقيقاً أصغر (زائفاً) للفيلم الروائي الأكثر شعبية، لم يسهم في تقديم رثاء يستحقه أحد أعظم مخرجي السينما الوثائقية في الولايات المتحدة الأميركية والعالم. برحيله، ترك إرثاً سينمائياً (نحو 50 فيلماً)، حلّل بتفصيلٍ دقيقٍ عدداً من أهمّ المؤسسات في مجتمع بلده (وبعضها في العالم): التعليم والقضاء والشرطة ومستشفيات الاضطرابات النفسية والموضة والاقتصاد والطبّ وعالم الأعمال والهياكل العسكرية والفنون، وغيرها.   رجل حكيم "هدفي إنجاز أكبر عدد ممكن من الأفلام عن مختلف جوانب الحياة الأميركية"، قالها يوماً وايزمان (الترجمة الحرفية للاسم: رجل حكيم)، المولود ببوسطن في الأول من يناير/كانون الثاني 1930. في تصريحٍ آخر، تأمّل مخرج "تيتيكوت فوليز" (1967)، وثائقيه الأول اللافت للانتباه واللاذع، في فنّه: "آمل ألا تدوم أفلامي الوثائقية فحسب، بل كلّ الأفلام الوثائقية. ستُحيّر هذه الأفلام مؤرّخي القرن المقبل حقاً، لأنهم لن يمتلكوا المواد المطبوعة فقط، بل كلّ هذه الصُّور أيضاً". تعرض منصّة "موبي" مجموعة مختارة من نتاجاته بعنوان "فريدريك وايزمان: حياة أميركية"، تضمّ ثمانية أفلام تسلّط الضوء على أعماله، في توثيق المؤسّسات والحياة الأميركية. ثمانية أفلام أُنتجت في خمسة عقود من العمل الوثائقي، بمثابة تكريم مُناسب ومُفعم بالمودة لأحد أعظم روّاد هذا المجال. بصفته مُراقباً للحياة والناس وعاداتهم، لم يتخلَّ أبداً عن ممارسته باعتبارها مسعى اجتماعياً وإنسانياً وإبداعياً. فنّانٌ يدرك الطبيعة المزدوجة، المتأصّلة في السينما الوثائقية، فالواقع ربما يكون المادة الخام الأساسية، لكن صانع الوثائقي/الفنان هو مَن يُشكّلها ويُضفي عليها طابعه الخاص، كما قال وايزمان نفسه: "لا بدّ من توليف/مونتاج المادة. هذا يُفضي إلى افتراض وجود تفكير مُعين يتحكّم فيها. ليست كلّ العقول متشابهة. كلّ جانب من جوانب صناعة الأفلام يتطلّب خيارات. اختيار الموضوع أو الفكرة والتصوير والمونتاج وطول الفيلم، كلّها مرتبطة بهذا الاختيار". في كتابه "رحلات اكتشاف: سينما فريدريك وايزمان" (1992)، أحد النصوص القليلة المعنية بتحليل أعمال المخرج بالتفصيل، يذكر الناقد والكاتب باري كيث غرانت أن أعماله "تتميّز بأصالتها، إذ تكشف عن أسلوب وموقف ثابتين، يمكن تمييزهما فوراً كأيّ مخرج مرموق. وبمصطلحات "المؤلف" التقليدية، تُظهر أفلامه بوضوح البصمة الشخصية للمخرج. تميل أفلامه إلى التركيز على الوجه الإنساني بالكثافة والإصرار نفسيهما، اللذين يتميّز بهما إنغمار بيرغمان، بينما الإقحام الدوري للقطات الممرّات والشوارع يُعدّ أداة أسلوبية ثابتة وهامّة، كتقنية اللقطات المقرّبة لياسوجيرو أوزو". لدى غرانت أيضاً ملاحظات: "مؤسف أنه بينما توجد دراسات عدّة عن مخرجي هوليوود الأقل شهرة، لا اهتمامَ نقدياً يُذكر بمخرجي الأفلام الوثائقية، كريتشارد ليكوك، ودي. إيه. بينيباكر، وآرني سوكسدورف، ومايكل روبو، والأخوين مايسلز، أو وايزمان، الذين يستحقون ذلك بلا شكّ".     في أفلامه، لا وجود للتعليق الصوتي (أو أي تعليق آخر)، فالواقع نفسه والأشخاص الذين يظهرون أمام الكاميرا هم مَن يُرسّخون أسس معنى، يكتسب أبعاده الكاملة في عملية المونتاج. "مدرسة ثانوية" (1968)، ثاني أفلامه الطويلة، مثالٌ مُلهم. يُعزَف لحن أغنية "جالساً على رصيف الخليج" لأوتيس ريدينغ، التي لا تخطئها أذن، في المشاهد الافتتاحية، المُصوّرة في مدرسة نورث إيست الثانوية بفيلادلفيا. لم يكن أحد يدرك ذلك حينها، لكن الأغنية أصبحت نشيداً لجيل كامل، والفيلم - كغيره من أفلامه، إن لم يكن كلّها - سيصير بمرور الوقت كبسولة زمنية تُجسّد مواقف وأنماط حياة وأيديولوجيات وعادات. بأسلوبه، المستوحى من مبادئ السينما المباشرة وسينما الحقيقة، تصبح كاميراه غير مرئية داخل جدران المدرسة المعنية. مدرسة ثانوية نموذجية، تبدو غير مُثيرة للتأمّل.   مرآة واقع مع ذلك، تتجلّى وجهة النظر بوضوح في التفاصيل: تُشغّل مُدرّسة أغنية لفرقة سايمون وغارفانكل لطلّابها، لتحليل شعرية كلماتها، ما يُعدّ دليلاً عملياً على الميول التقدمية للمؤسسة. في الوقت نفسه، في قاعة المحاضرات الرئيسية، تُسلّط مُدرّسة أخرى الضوء على وصول حبوب منع الحمل (كانت تُسمى آنذاك "الحبوب")، لكن الخطاب يتحوّل تدريجياً إلى نهج مُتحكّم، وبالتالي مُحافظ. في بروفة لعرض طلّابي مقبل، تشير مُدرّسة إلى مشكلة في ساق فتاة ووزن أخرى. تعليقات من حقبة ما قبل الصوابية السياسية، كانت ستُمثّل مشكلة كبيرة للمُدرّسة اليوم. من دون إصدار أحكام أو إبداء آراء صريحة، يُبرز وايزمان هذه الحالات المتناقضة، ويقدّم للمتفرّجين إعادة بناء سينمائية لعالم حقيقي. النتيجة رائعة ومؤثّرة: في هذه الصُّور والأصوات، يمكن للمرء أن يلمس حقبة تعكس عصرنا، بتقلّباتها وثوابتها. في نهايته، يُختتم "مدرسة ثانوية" (ببراعة) بقراءة رسالة من طالب يقاتل في فيتنام في اجتماع مدرسي. هذا الفتى، الذي وصفه المدير بأنه "طالب متوسط، دون المستوى المطلوب في بعض المواد"، يقاتل في الحرب، ليصبح مجرّد ترس آخر في آلة قتل أميركية لا تشبع. في "القانون والنظام" (1969)، فيلم آخر من أهم أفلام وايزمان في ستينيات القرن الماضي، ينزل المخرج إلى الشوارع ليتابع ضباط شرطة في أثناء قيامهم بأعمالهم اليومية: اعتقال سائقين مخمورين، محاولات التوسّط في نزاعات أسرية تنطوي على عنف (موضوع سيصبح محورياً في ملحمته "عنف أسري" بعد 30 عاماً)، مشاحنات حادّة بين الجيران. كلّها جزء من تصوير عمل قسم شرطة مدينة كانساس. في مشهدٍ آخر، تدخل الكاميرا مركزاً للشرطة، لتسجيل بلاغ عن اعتداء جنسي مُحتمل، واحتجاز مشتبه به مُحتمل. في كتابه، وَصفه غرانت بأنه "تراكم للأحداث. عملية مستمرة دائماً. بنية مناسبة، نظراً إلى أن نظرة الفيلم إلى عمل الشرطة مزيجٌ من الروتين والخطر". على حدّ تعبير وايزمان، "كسائق تاكسي يلعب الروليت الروسية".     على الشاشة، يحمي ضابط شرطة فتاة صغيرة بحنان. في مشهدٍ آخر، يعتقل ضابط مومساً، مُستخدماً القوة المفرطة بشكل واضح. تتجلّى التوترات العرقية في أكثر من مناسبة، عبر حوارات سجّلها فريق الفيلم، الذي حرص دائماً على أن تكون مختصرة للغاية. صرّح وايزمان أن نيّته، في بداية التصوير، "التقاط الخنازير"، في إشارة إلى المصطلح المُهين (الخنازير) المُستخدم آنذاك شعبياً للتقليل من شأن ضبّاط إنفاذ القانون. لكنه أدرك لاحقاً أن "الحيل القذرة لا تقتصر على الشرطة". يعكس الفيلم حقبة مضطربة ومُعقّدة ومتناقضة، لا تزال أصداؤها تتردّد بقوة في القرن الـ21.   إظهار الفظاعة فيلمان آخران (موبي) يُحلّلان عالم الاستهلاك والإعلان، والمجالات ذات الصلة، والمُكمّلة. صُوّر "المتجر" (1983) بالكامل في المتجر الفاخر لنيمان ماركوس في دالاس، حيث يتناوب بين العمل اليومي للبائعين والمساعدين وصائغي المجوهرات، واجتماعات مديري المناطق ورؤوسائهم. "مهمّة الأطباء شفاء الناس وإنقاذ الأرواح. مهمّة عمال المقابر انتظار وصول الجثث لدفنها. أما مهمّتنا فهي البيع". تتردّد هذه الكلمات في قاعة اجتماعات المبنى الضخم، بينما في الطوابق السفلية من المركز التجاري، تتدرّب بائعات على ابتساماتهن وحركات أصابعهن السريعة، المثالية لإتمام عمليات البيع بسرعة. يتأمّل زبون ثري جودة معاطف الفرو الطبيعي المعروضة للبيع، ويجرّب زوجان خواتم ألماس مختلفة، ويعرب أحد الحاضرين في اجتماع الإدارة عن إعجابه بأحدث إعلان للمخرج البريطاني ريدلي سكوت لعلامة شانيل، مُقيّماً تكلفته ونطاقه، بينما تتجوّل ممثلات متنكّرات بزيّ جنيات عيد الميلاد بين الطوابق المختلفة، وتراقب عارضات أزياء الشهود الدائمين على هذا النشاط المحموم... كلّ شيء بصمت وثبات. عالم الأزياء عنصر أساسي في "المتجر"، الذي يُمكن أن يُشكّل مع "موديل" (1980) ثنائياً مميّزاً، إذ يُركّز على صناعة الصُّور، والنماذج الأنثوية والذكورية في عالم عروض الأزياء، والتصوير الصناعي، وسوق الأزياء في نيويورك. ليست مصادفة أن يظهر آندي وارهول، المثال الأبرز على التداخل بين الفنّ والصناعة، أمام الكاميرا في إحدى لحظات الفيلم، مُضيفاً بُعداً آخر من التعقيد إلى توثيق الواقع، المتمحور في هذه الحالة حول صناعة الأوهام. صرّح وايزمان، في مقابلة مع مجلة "سايت آند ساوند" قبل عقد من الزمن: "في مرحلة ما، وُصفتُ بأني أُخرج أفلاماً احتجاجية. لا أعتقد ذلك. إذا صوّرنا في مكان، كمستشفى بريدج ووتر للاضطرابات النفسية، حيث صوّرنا "تيتيكوت فوليز"، ولم نُظهر مدى فظاعته، فإننا بذلك لا نؤدّي عملنا على أكمل وجه. الهدف دائماً تقديم أفضل فيلم ممكن، وأن يعكس تعقيد المكان". هذا الهدف، الذي كان شعاراً وتصميماً سينمائياً طوال مسيرته المهنية، يتجلّى أيضاً في الأفلام الأخرى المختارة في "موبي"، التي تسجّل وتُظهر إيقاعات منتجع تزلّج، أو جامعة مرموقة، وتفاعل سكّان حيّ في نيويورك، أو مبنى بلدية مدينة كبيرة، دائماً تحت نظرة ثاقبة وحسّاسة وذكية لأحد أعظم مخرجي الأفلام الوثائقية في التاريخ.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية