عربي
تتصاعد أزمة الوقود في العاصمة الليبية طرابلس، حيث شهدت محطات التزود ازدحاماً حاداً، أمس الخميس، فيما أغلقت بعض المحطات أبوابها منذ صباح الأربعاء، وسط طوابير سيارات تمتد مسافات طويلة، في مشهد يعكس تأثيرات الحرب في المنطقة على إمدادات المحروقات داخل السوق المحلية، حيث تعتمد ليبيا على استيراد أكثر من 75% من احتياجاتها من الوقود، رغم إنتاجها نحو 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الخام، بسبب محدودية قدرات التكرير المحلية.
ويقول علي شلابي، صاحب محطة وقود في وسط المدينة، لـ"العربي الجديد" إن "الإمدادات لم تصل منذ يومين، ولا توجد أي مؤشرات واضحة حول موعد وصولها". يؤكد مسعود بن لامين، وهو صاحب محطة في غرب طرابلس، أن "كميات البنزين لم تعد تصل بالوتيرة السابقة"، مضيفاً أن الشحنات التي كانت تصل يومياً أو كل يومين أصبحت متقطعة.
ويواجه المواطنون صعوبات متزايدة في الحصول على الوقود، إذ يقول محمود القدار الذي كان ينتظر في إحدى محطات حي الأندلس، لـ"العربي الجديد"، إنه أمضى نحو أربع ساعات دون أن يتمكن من التزود، فيما يشير علي الفقهي، من جنوب المدينة، إلى أن الوقود "نفد قبل وصول دوره"، ما دفعه للبحث عن محطة مفتوحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ظل هذه التطورات، عقد وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية سهيل أبوشيحة اجتماعاً مع رئيس مجلس إدارة شركة البريقة لتسويق النفط، خُصص لمتابعة أوضاع إمداد السوق المحلي بالمحروقات، واستعراض وتيرة التوريدات الخارجية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة.
وتناول الاجتماع مراجعة مستويات المخزون الاستراتيجي داخل البلاد، وتقييم جاهزية منظومة الإمداد لضمان استمرارية التغطية دون انقطاع، بما يعزز استقرار السوق المحلي خلال الفترات القادمة. كما تم الاتفاق على إعداد وتقديم خطة متكاملة من الشركة تتضمن آليات تعزيز المخزون الاستراتيجي وتنويع مصادر التوريد، على أن تُعرض على المجلس الأعلى للطاقة لاعتمادها.
وضاعفت ليبيا تقريباً إنفاقها السنوي على استيراد البنزين والديزل منذ عام 2022، مع اعتماد نحو 50% من الواردات على الاتحاد الأوروبي، وحوالي 25% على روسيا، بحسب بيانات شركة كبلر. ويُبقي نظام الدعم أسعار الوقود عند مستويات منخفضة جداً، إذ يبلغ سعر اللتر نحو 0.150 دينار، ما يعزز الطلب المحلي ويزيد الضغط على الإمدادات، في وقت تتزايد فيه كلفة الاستيراد عالمياً.
ويقول المحلل الاقتصادي محمد الشيباني لـ"العربي الجديد" إن ليبيا تعاني من مفارقة واضحة "دولة منتجة للنفط لكنها تعتمد على الخارج لتأمين الوقود"، موضحاً أن ضعف التكرير المحلي، إلى جانب استمرار الدعم، يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية. ويضيف أن أي اضطراب في سلاسل التوريد أو ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على السوق المحلية، مشيراً إلى أن فاتورة الاستيراد أصبحت تشكل عبئاً متزايداً على المالية العامة. كما يلفت إلى أن تهريب الوقود، الناتج عن فارق الأسعار مع دول الجوار، يمثل عامل ضغط إضافيا، إلى جانب تحديات التوزيع والتخزين.
ويقول مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية (غير حكومي) أحمد أبولسين، إن استمرار إغلاق هرمز يفرض ضغوطاً إضافية على أسواق الطاقة العالمية، لا سيما في ما يتعلق بسلاسل إمداد الوقود المكرر، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على الدول التي تعتمد على الاستيراد لتغطية احتياجاتها، ومن بينها ليبيا.
ويوضح أبولسين لـ"العربي الجديد" أن حساسية السوق الليبية تجاه هذه المتغيرات تعود إلى اعتمادها الكبير على الخارج في توفير البنزين والديزل، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار واضطرابات التوريد، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
ويضيف أن "اللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية يمثل إحدى الأدوات الرئيسية للتعامل مع الصدمات قصيرة الأجل"، مشيراً إلى أن هذه المخزونات يمكن أن تخفف من أثر أي نقص مفاجئ في الإمدادات، وتمنح صناع القرار هامشاً زمنياً للتحرك دون انعكاسات فورية على السوق المحلية.
لكنه يشدد في المقابل على أن هذا الحل يظل مؤقتاً، ولا يمكن أن يعوض غياب معالجة جذرية للاختلالات الهيكلية في قطاع الطاقة، موضحاً أن الإنتاج المحلي من المشتقات النفطية لا يغطي سوى نحو 20% من احتياجات السوق، ما يعني أن الجزء الأكبر من الطلب يظل مرهوناً بالاستيراد. ويشير أبولسين إلى أن استمرار هذا النمط يفاقم الضغوط على المالية العامة، خصوصاً مع ارتفاع فاتورة الاستيراد واتساع فجوة الدعم، مؤكداً أن أي استراتيجية مستدامة يجب أن تشمل تطوير قدرات التكرير المحلية، وتحسين كفاءة التوزيع، إلى جانب إعادة النظر في سياسات الدعم بشكل تدريجي ومدروس.
وكشف تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في 10 إبريل/نيسان 2026 أن تهريب الوقود يستنزف 6-7 مليارات دولار سنوياً، مما يمول شبكات نفوذ موازية ومجموعات مسلحة.
