عربي
شهدت الأسواق العالمية والخليجية في إبريل/ نيسان الحالي تحولات دراماتيكية أعادت صياغة مفهوم "الملاذ الآمن". سجل الذهب قمة تاريخية عند 5600 دولار للأوقية قبيل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ومع تصاعد وتيرة القصف، تراجع المعدن الأصفر فجأة إلى مستويات 4200 دولار، قبل أن يبدأ رحلة تماسك استقرت به حاليا عند حدود 4700 و4800 دولار.
هذا الهبوط الاستثنائي في سعر الذهب طرح أسئلة حول الوظيفة الفعلية للمعدن الأصفر في الأزمات الراهنة، وأسباب تصاعد عمليات البيع خلال الحرب من دول أمضت سنوات في مراكمته، بدلا من الاحتفاظ بها ملاذاً آمناً، خاصة تركيا وبعض دول الخليج.
التمييز بين ما أشعل الصعود السابق وما أطفأه هو مفتاح فهم المفارقة حسبما أورد تحليل نشره "ميدل إيست إنسايدر" في نهاية مارس/ آذار الماضي، فالذهب لم يكن يرتفع في السنوات الماضية بسبب مخاوف جيوسياسية فحسب، بل لأن مجموعة محددة من المحركات دفعت طلبا غير مسبوق، وهي: شراء المركزي الصيني المكثف للذهب على مدى 3 سنوات، ومسار واضح لتراجع الدولار، وطلب قياسي من المستثمرين الأفراد في آسيا.
انعكست هذه المحركات جميعها معا مع نهاية العام الماضي وبداية 2026، فتوقف بنك الصين المركزي عن الشراء في الربع الأخير من 2025، وأصبحت الهند بائعا صافيا في يناير/ كانون الثاني 2026، فيما تلاشى الطلب الاستهلاكي التركي، وفي الوقت ذاته خلقت الحرب صدمة إيجابية للدولار؛ إذ اضطرت الدول المستوردة للطاقة إلى شراء الدولار بكميات هائلة لتسديد فاتورة النفط المرتفعة، ما قلص الجاذبية النسبية للذهب غير المُدِرّ للعائد، بحسب التحليل ذاته.
أما لغز البيع من دول ذات احتياطيات ضخمة، فتكشفه أزمة تركيا، إذ باعت أنقرة وأجرت مقايضات بالذهب ما يتجاوز ستين طنا خلال أسبوعين فقط، لدعم الليرة المتهالكة في مواجهة الارتفاع الحاد لأسعار النفط، بحسب باحثي شركة ميتالز فوكس البريطانية الذين أشاروا إلى أن هذا السلوك يعكس استجابة ضغط سيولة طارئة لا تحولا استراتيجيا، مؤكدين أن القطاع الرسمي عموما لا يزال مشتريا صافيا، وأن مخاطر الحرب ذاتها تعزز الحجة لصالح الاحتفاظ بالذهب تحوطا من الدولار.
على صعيد الخليج، يفرق الخبراء بين الاحتياطيات الرسمية المبلغ عنها والحيازات غير المفصَح عنها لصناديق الثروة السيادية، فالسعودية تحتفظ رسميا بـ323 طنا دون أي تغيير موثق، والكويت بـ79 طنا وقطر بـ44 طنا، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، غير أن تدفقات خارجية بلغت نحو 45 طنا من خزائن لندن في يناير وفبراير من العام الحالي فتحت الباب أمام تساؤلات حول إعادة تموضع سيادية غير رسمية.
لكن محللي معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى يشيرون إلى أن دول الخليج تواجه ضغطا أعمق؛ إذ إن نموذجها الاقتصادي المبني على الاستقرار وجذب الاستثمارات الدولية تصدع من جراء الحرب، وهو ما قد يلحق ضررا مديدا بثقلها في أسواق المال العالمية أشد مما تفعله أي مبيعات آنية للذهب، حسبما أورد تقدير نشره المعهد في 10 إبريل الجاري.
وعلى المدى المنظور، يرى المحللون أن ما جرى لم يُفض إلى تحول هيكلي في أسواق الذهب، إذ لا تزال كبرى مؤسسات "وول ستريت" تراهن على صعود الذهب، ومنها بنك "جي بي مورغان" الأميركي الذي يتوقع أن يصل الذهب إلى 6,300 دولار للأوقية بنهاية العام، فيما يحافظ دويتشه بنك الألماني على توقع 6,000 دولار للأوقية. ويرى الخبير الاقتصادي، بيار الخوري، أن السلوك السعري المتقلب للذهب يعكس تغيرا جوهريا في استراتيجيات الصناديق الاستثمارية العالمية التي انتقلت من البحث عن السيولة التقليدية إلى اعتماد "تحوط أكثر واقعية" يتماشى مع طبيعة النزاع الراهن، حسبما أفاد لـ "العربي الجديد".
ففي ظل نزاع يتركز في قلب ممرات الطاقة العالمية اعتبرت الأسواق أن الاستثمار المباشر في عقود النفط والغاز المشتقة وصناديق الطاقة المتكاملة يوفر حماية مزدوجة؛ إذ يعمل بمثابة مخزن للقيمة ويستفيد مباشرة من انفجار أسعار الوقود الناتج من العمليات العسكرية. وأدى هذا التوجه، حسبما يرى الخوري، إلى سحب سيولة ضخمة من سوق الذهب وتوجيهها نحو "الذهب الأسود"، ما خلق ضغطا بيعيا على المعدن الأصفر لصالح مراكز استثمارية في قطاع الطاقة سجلت تدفقات نقدية غير مسبوقة.
وإزاء هذا الانكشاف الاستثماري المكثف على قطاع الطاقة، تباطأ زخم الذهب مؤقتا، خاصة مع الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن والتأمين البحري الذي استنزف جزءا كبيرا من السيولة النقدية للمؤسسات.
وبالنظر إلى ما تبقى من عام 2026، تبرز 3 سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح المرحلة المقبلة للذهب، بحسب الخوري، أولها هو "الانفجار السعري"، الذي يفترض حدوث تصعيد شامل يؤدي لإغلاق دائم لممرات الملاحة الاستراتيجية، ما قد يدفع الذهب لتجاوز حاجز 6000 دولار مع انهيار الثقة في العملات الورقية. ويتمثل السيناريو الثاني، بحسب الخوري، في "الاستقرار المتذبذب"، حيث يستمر التداول حول مستويات 4500 إلى 5000 دولار في حال تحول النزاع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد مع بقاء أسعار الطاقة مرتفعة.
أما السيناريو الثالث فهو "التصحيح الكبير"، الذي قد يحدث في حال التوصل إلى تسوية سياسية مفاجئة وشاملة، ما سيؤدي، بحسب الخوري، إلى خروج السيولة من ملاذات التحوط وعودة الذهب لاختبار مستويات 3800 دولار مع استعادة الأسواق لشهية المخاطرة في الأصول الرأسمالية التقليدية.
وفي السياق، يشير الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانة، لـ "العربي الجديد"، إلى أن التقلبات الحادة في أسواق الذهب والعملات تعود إلى الحرب متضافرة مع السياسات النقدية التي انتهجتها البنوك المركزية الكبرى قبل اندلاع الحرب، ففي المرحلة السابقة للنزاع اتبعت هذه البنوك سياسة شراء كميات كبيرة من الذهب، ما أدى إلى ارتفاع سعر المعدن الأصفر وطرح سيولة دولارية ضخمة في الأسواق، ما تسبب بدوره في انخفاض قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى.
غير أن التصعيد العسكري المفاجئ ونتائجه السريعة، المتمثلة في اضطراب إمدادات النفط والغاز وارتفاع أسعارهما، أحدثت صدمة عرض عالمية، كما أدى إغلاق مضيق هرمز وتعطل قطاع النقل الجوي إلى رفع تكاليف الشحن والتأمين للبضائع التجارية عالميا، ما خلق ضغوطا تضخمية هائلة وعطل سلاسل الإمداد، وهو ما يراه زوانة نقطة تحول جذرية في معادلة العرض والطلب على السلع والعملات.
ونجم عن هذه الاضطرابات تراجع حاد في إيرادات العديد من الدول من قطاعات السياحة والتصدير البحري بالعملات الأجنبية، ما قلص تدفقات الدولار اللازم لتمويل الواردات التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير، وفي مواجهة هذا العجز وجدت البنوك المركزية نفسها تحت ضغط شديد لتوفير السيولة الدولارية النقدية، ليس فقط لدفع فاتورة المستوردات المرتفعة التكلفة، بل أيضا للدفاع عن سعر صرف عملاتها المحلية التي شهدت تراجعات حادة أمام الدولار، كما هو الحال في مصر وتركيا، حسبما يوضح زوانة.
ولمواجهة شح الدولار والضغط على أسعار الصرف، يلفت زوانة إلى أن البنوك المركزية المضطرة لجأت إلى بيع جزء من احتياطياتها من الذهب في الأسواق المفتوحة للحصول على الدولارات النقدية اللازمة، وأدى هذا العرض المتزايد للذهب من قبل المؤسسات الرسمية إلى انخفاض سعره عالميا، بينما ارتفع سعر صرف الدولار نتيجة ندرته وزيادة الطلب عليه لسد الفجوات التمويلية وحماية العملات المحلية من الانهيار، وهي آلية عكسية تماما لما كان سائدا قبل الحرب.
غير أن زوانة يلفت إلى أن الوضع مختلف جذريا بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، نظرا لمتانة مراكزها المالية، حيث تمتلك السعودية وقطر والإمارات احتياطيات ضخمة من الدولار جعلتها في غنى عن اللجوء لبيع أصولها من الذهب، وعلى الرغم من اختلاف الأوضاع قليلا في البحرين وعمان، إلا أن استقرارهما يفوق بكثير حالتي مصر وتركيا والدول الأخرى ذات الاحتياطيات الأجنبية المتقلبة والهشة، ما يمنح دول الخليج مرونة أعلى في امتصاص الصدمات الخارجية، وفق تقديره.
ويخلص زوانة إلى أن التوقعات المستقبلية تشير إلى استمرار حالة القلق وعدم اليقين في الأسواق، متأثرة بالتطورات العسكرية المحتملة والملاحة بمضيق هرمز وباب المندب الاستراتيجيين، كما تلعب التصريحات السياسية، ولا سيما تلك الصادرة عن دونالد ترامب وتوقيتاتها المدروسة، دورا مؤثرا في تحريك أسواق العملات والأسهم والسندات، وبالتالي الذهب، ما يجعل المشهد الاقتصادي رهنا بتفاعل المعطيات الجيوسياسية مع التحركات السياسية الأميركية.

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 27 دقيقة