عربي
تشهد الحدود بين أفغانستان وباكستان هذه الأيام حالة من الهدوء الحذر الذي لا يعكس تقدماً حقيقياً في حل الملفات الخلافية بين البلدين، لا سيما أن الخلافات التاريخية العميقة بين الجارتين تصعّب الحل الدائم. وأثبت سير المفاوضات التي عقدت خلال الأشهر الماضية بين كابول وإسلام أباد في قطر وتركيا، ثم السعودية وأخيراً في الصين، أن كل الملفات المستجدة تنبع من الملفات التاريخية العالقة بين الدولتين، خصوصاً خط ديورند، الذي تعتبره باكستان حدوداً رسمية لها مع أفغانستان، بينما الأخيرة لا تعترف به حدوداً، بل خطاً فاصلاً بين أبناء قبائل البشتون، القاطنة على طرفي الخط في شرق وجنوب أفغانستان.
مفاوضات الصين
واستمرت الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الطرفين في مدينة أورومتشي الصينية سبعة أيام (من أول إبريل/نيسان الحالي حتى السابع منه)، دارت خلالها نقاشات طويلة، بحضور الوسيط الصيني، لكنها انتهت من دون نتائج ملموسة ومن دون الكشف عن تفاصيل المباحثات الحقيقية، سوى ما ورد في البيان الصيني وهو أن البلدين اتفقا على تجنب التصعيد ومواصلة الحوار. وعلمت "العربي الجديد" من مصادر أفغانية مطلعة أن تلك المفاوضات لم تحقق أي اختراق، مع أنها عقدت في جو هادئ وإيجابي للغاية. والسبب وراء عدم تحقيق أي تقدم واختراق حقيقي هو أن باكستان كررت مطالبها القديمة من دون أي نوع من التنازل، في المقابل رفضت "طالبان" تلك المطالب، مع إبداء قليل من المرونة، غير المقبولة للجانب الباكستاني.
سميع الله صافي: الحوار مع باكستان لا يمكن أن يحقق نتائج مرجوة ما دامت تسعى إلى تحقيق أهداف ترفضها أفغانستان
وأكدت المصادر أن المطالب الرئيسية للجانب الباكستاني خمسة، أربعة منها كانت واضحة وجلية، ومطلب خامس أتى ضمناً ولكنه العقدة الأساسية. وتلك المطالب هي: أن تقوم حكومة "طالبان" بإجراءات عسكرية عملية ضد مقاتلي "طالبان" الباكستانية وقياداتها وأن تقدم أدلة تثبت ذلك للجانب الباكستاني والوسيط الصيني، وأن تعلن الحكومة الأفغانية طالبان الباكستانية جماعة إرهابية، علاوة على إصدار زعيم الحركة الملا هيبت الله فتوى شرعية، يعتبر فيه الحرب في باكستان عملاً غير شرعي. إضافة إلى ذلك، اعتبر الجانب الباكستاني نفوذ الهند في أفغانستان خطراً على أمن بلاده. أما المطلب الذي أتى ضمنا فهو أن يوافق الجانب الأفغاني على وصف خط ديورند حدوداً رسمية معترف بها من قبل الدولتين، حين الوصول إلى أي اتفاق.
في المقابل، لم يكن الرد الأفغاني هذه المرة يختلف عن سابقاته، فالوفد الأفغاني اعتبر المطالب الأربعة الأولى غير واقعية، وهي إما مرتبطة بطالبان الباكستانية وهو شأن باكستاني لا تتدخل فيه أفغانستان، أما العلاقات الأفغانية ـ الهندية فهي شأن أفغاني لا يحق لأحد أي يفرض رأيه فيه. وفي ما يتعلق بذكر خط ديورند في أي اتفاق مستقبلاً بوصفه حدودا رسمية، فكان الجواب الأفغاني قاطعاً جداً في الرفض.
وعن ذلك، قال الإعلامي الأفغاني سميع الله صافي، لـ"العربي الجديد"، إن الحوار مع باكستان لا يمكن أن يحقق نتائج مرجوة طالما هي تسعى إلى تحقيق أهداف ترفضها أفغانستان، إذ إن نجاح أي عملية تفاوضية يرتبط بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، مشيراً إلى أن المطلب الأساسي الذي تمسكت به باكستان يتمثل في الاعتراف الرسمي بخط ديورند بوصفه حدوداً دولية قائمة. ولفت إلى أن ديورند يشكل العقبة الكبرى أمام اختراق حقيقي في الحوار بين الطرفين، ولا يمكن لكابول أن تقبل هذا الشرط، لأن المجتمع الأفغاني برمته يرفض الاعتراف، بالتالي لا يمكن لأي حكومة أفغانية أن تعترف به، من هنا جهود باكستان وضغوطها من أجل الوصول إلى هذا الهدف ضياع للوقت ودفع أمن المنطقة نحو الانهيار.
ومع وصول الوفد إلى كابول أصدر المتحدث باسم حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد، بياناً مقتضباً صارماً، قال فيه إن خط ديورند غير مقبول وأن الحكومة والشعب الأفغاني لا ولن يقبلا ديورند حدودا رسمية مع باكستان حتى لو استخدمت عليها القنبلة النووية، مشيراً إلى كل الذرائع والضغوط مرفوضة من أجل الاعتراف بديورند. وأكد أن الحكومات الأفغانية في الماضي رفضت خط ديورند، والحكومة الحالية بدورها ترفضها؛ لأن القضية ترتبط بالشعب، وهو يرفضه جملة وتفصيلاً. ومع أن الصين لم تتمكن رغم جهودها الحثيثة أن تقنع الطرفين بالتنازل في الملفات الرئيسية، لكنها قامت بتقريب وجهات النظر في بعض القضايا. على سبيل المثال حكومة طالبان أبدت استعدادها بأن تتعهد بشكل كتابي وأمام الوسطاء ألا تسمح لأي جهة باستخدام الأراضي الأفغانية ضد باكستان، لكنها في الوقت نفسه ترفض وجود أي جماعة باكستانية مسلحة على أرضها. أيضاً أجّل الجانب الأفغاني، بطلب من الصين، عمليات الانتقام لمقتل 412 مدمنا على المخدرات إثر قصف جوي باكستاني على مستشفى في كابول في 16 مارس/آذار الماضي، حين كانت كل الإجراءات جاهزة من أجل شن هجوم كبير على المدن الباكستانية بما فيها العاصمة إسلام أباد، انتقاما لمقتل المرضى.
في المقابل، قبلت باكستان ألا تنفذ أي عمل مسلح داخل الأراضي الأفغانية حتى ولو ارتفعت وتيرة الهجمات داخل باكستان. ووفق مصدر مرتبط بعملية التفاوض، تحدث لـ"العربي الجديد"، فإن المسؤولين الصينيين أكدوا خلال المباحثات أنها تطلب بشكل صارم من الطرفين ألا يشكلا خطراً لمشاريعها الاقتصادية في المنطقة، وألا يقوما بأي تصعيد، وخاطبوا الوفد الباكستاني أن بكين قد تعيد النظر على مشاريعها الاقتصادية في باكستان، لا سيما الممر الاقتصادي إذا قام الجيش الباكستاني بأي عمل مسلح داخل أفغانستان.
محمد همت زهدران: دور الصين إيجابي لأن الوضع في باكستان لا يتحمل الحرب مع أفغانستان
الضغط على أفغانستان
وفي تعليق على دور الصين، قال المحلل السياسي الأفغاني محمد همت زدران لـ"العربي الجديد" إن ما تقوم به الصين خطوات إيجابية، والفرق بينها وبين الدول التي سعت في الماضي إلى التوسط، أن الصين لها نقاط قوة، ويمكنها أن تمارس الضغط على باكستان، لا سيما أن بعض مطالب باكستان غير واقعية، والصين ودول المنطقة تعرف ذلك، لكنها تقدمها فقط من أجل الضغط على أفغانستان، فالصين لها مشاريع عملاقة في المنطقة وهي لا تسمح لأي جهة أن تعرّضها للخطر لها، بالتالي دور الصين إيجابي ونافع إلى حد ما، كما أن الوضع في باكستان لا يتحمل الحرب مع أفغانستان، كما لا يتحمل استياء الصين.
وأشار إلى أن العلاقات الأفغانية - الباكستانية دخلت بعد النزاع المتواصل بين الدولتين، مرحلة جديدة، هي مرحلة إدارة الأزمة بدلاً من حلها. فغياب الثقة، واستمرار الإرث التاريخي للنزاعات الحدودية، مثل ديورند، كلها عوامل تجعل أي اختراق سياسي حقيقي أمراً معقداً، لا سيما أن الحكومة الأفغانية الحالية تسعى إلى تثبيت شرعيتها الداخلية عبر تبني مواقف وطنية متشددة تجاه القضايا السيادية، وعلى رأسها خط ديورند، بالتالي لا يمكن لها التنازل في هذه القضية. وعلى باكستان أن تدرك أن هذا المطلب غير مقبول، لأن أفغانستان مستعدة أن تقدم كل أنواع التضحية ولكنها لن تعترف بديورند، بالتالي على إسلام أباد أن تجعل مطالبها منطقية وأن تقبل معادلة إدارة الأزمة في الوقت الراهن وليس حلها النهائي.

أخبار ذات صلة.
الشيخ سلمان آل خليفة: نرفض تسييس كرة القدم
الشرق الأوسط
منذ 13 دقيقة