عربي
تنتشر في الصين إعلانات الأمهات العازبات اللواتي يبحثن عن شريكات في السكن وتقاسم الإيجار وأعباء رعاية الأطفال، بينما يحذّر متخصصون من أن تلك الظاهرة رغم فوائدها لا تمثل بديلاً للأسرة التقليدية.
تضمّ الصين ما يقارب 30 مليون أمّ عزباء بين أرملة ومطلقة، وتجد كثيرات منهنّ الدعم من خلال الانتقال إلى العيش معاً وتقاسم الفواتير والمشاركة في رعاية الأطفال، وبناء أسر خارج النموذج العائلي التقليدي. ومع ازدياد حالات الطلاق، تتحمّل الأمهات العازبات عبء رعاية الأطفال بمفردهنّ. ففي الأسر التي ينفصل فيها الوالدان، لا يحصل على حضانة الأطفال سوى أب واحد من كل ستة آباء، ما يجعل 83% من الأسر المطلقة تتحمل مسؤولية أعبائها، الأمهات.
وتتعارض ساعات العمل الطويلة مع جداول دراسة الأبناء الصارمة، ما يضطر كثيرات منهنّ إلى التنقل بسرعة بين مكاتب العمل وبوابات الفصول الدراسية. وفي مواجهة ذلك، أنشأ العديد منهنّ مجموعات محادثة للتواصل، إذ يتبادلن النصائح، ويجمعن النفقات، وفي بعض الحالات، يجدن بعضهنّ بعضاً. وتنتشر على نطاق واسع إعلانات الأمهات الشريكات في السكن، وتستقطب ردوداً من غرباء في مختلف المدن. وينتهي الأمر ببعضهنّ إلى السكن معاً وتقاسم الإيجار، بينما تتشارك أخريات في توصيل الأطفال إلى المدرسة، ليشكلن بذلك نموذجاً للعائلة أقل عزلة، وأكثر قابلية للاستمرار.
في أحد الإعلانات، تقول إحداهنّ: "أبحثُ عن أمّ عزباء لمشاركة شقة. آمل أن نتمكن من تقاسم مسؤوليات رعاية الأطفال. إذا كنتِ تعملين في نوبات نهارية، يمكنني تولّي النوبات الليلية. الهدف هو ضمان رعاية كلا الطفلين، بدلاً من أن تكون إحدانا مسؤولة عنهما بمفردها. لديّ خبرة في رعاية الأطفال، وشهادة جامعية، ومهارات أساسية في تدريس اللغة الإنكليزية يمكنني توظيفها في تعليم المرحلة الابتدائية".
لين يان، أم لطفلة مُصابة بمرض التوحد تبلغ من العمر سبعة أعوام، قرّر زوجها الانفصال عنها بعد ولادة ابنتها الوحيدة بعامين، في محاولة منه للتملّص من إعالة طفلة تحتاج إلى رعاية خاصة. لم تستسلم الأم، وأخذت على عاتقها رعاية ابنتها بكل الوسائل الممكنة، ونجحت في التوفيق بين عملها، ومتابعة دراسة ابنتها التي التحقت بمركز خاص لأطفال التوحد.
عن تجربتها، تقول لين لـ"العربي الجديد": "العام الأول من الانفصال عن زوجي كان الأصعب، كانت لديّ هواجس كبيرة، كيف يمكن أن أعيل طفلة مريضة تحتاج إلى أدوية باهظة الثمن وجلسات علاج مكثفة، في حين أن عملي بالكاد يوفر إيجار المنزل. في ذاك العام بحثتُ عن سبل للتماسك والاعتماد على الذات، لأن الضعف والاستسلام في هذه الحالة، نتيجته محتومة". وتضيف: "من خلال البحث المستمر، وصلتُ إلى غرفة دردشة خاصة بالأمهات العازبات عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ تتحدث كل واحدة منهنّ عن تجربتها، ويتبادلن الأفكار والخبرات للتعامل مع كل قصة وأزمة. على سبيل المثال، كانت إحدى الأمهات تملك منزلاً ورثته بعد وفاة زوجها، ولديها طفلان ووظيفة، لكنها لا تملك الوقت لرعايتهما، في حين أنّني أملك الوقت ولا أملك المنزل، فاتفقنا أن أنتقل للعيش معها مقابل رعاية طفلَيها، وبهذه الطريقة حققنا مصالح مشتركة". تتابع لين: "أثناء وجودي في منزل تلك المرأة الأرملة، كنتُ خلال أوقات الفراغ أبحث عبر الإنترنت عن دورات تدريبية لتعلم كيفية التعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد، اجتزتُ عشرات الدورات، وحصلتُ على بعض الشهادات في هذا المجال. وبعد عامين غادرت ذلك المنزل، والتحقتُ بمؤسسة تُعنى برعاية الأطفال، فأصبح لدي الخبرة والمعرفة والقليل من المال، وهذا ما مكّنني لاحقاً من تسجيل ابنتي في مركز خاص. واليوم أشعر بأنّني اجتزتُ مراحل القلق، بل أستطيع أن أقدّم الخدمة والنصيحة لكل أرملة أو مطلقة".
ويقول أستاذ الدراسات الاجتماعية السابق في جامعة صن يات سن، وي لي فنغ لـ"العربي الجديد": "لا شك أن تقاسم الأدوار بين نساء من فئة واحدة يواجهن تحديات متشابهة في إطار أسرة لا تربطها علاقات بيولوجية، يساهم كثيراً في تخفيف أعباء الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الاضطرابات الناجمة عن انفصال الأب لأيّ سبب كان. ولكن في جميع الأحوال هذا لا يمثل بديلاً عن الأسرة التقليدية الطبيعية التي تضم الأب والأم، ولا يجب أن يكون حافزاً لتمرد المرأة التي لديها خلافات مع زوجها، لأن نجاح هذه التجارب نسبيّ، وبالتالي لا يمكن تعميمه واعتباره حالة نموذجية". يضيف: "الأبناء الذين ينشؤون في ظل أسرة مفككة أو هجينة، ويتلقون رعاية من أمهات عاملات، هم أكثر عرضة للكسر الداخلي، لأنهم يفتقرون إلى سلطة الأب التي تلعب دوراً بارزاً في تكوينهم النفسي وطريقة تعاملهم مع المجتمع ومواجهة التحديات والظروف المختلفة. وفي هذه الحالة، تصبح الحضانة في كنف الأمهات العازبات أرضاً خصبة لأمراض نفسية قد يعاني منها الأطفال في المستقبل".
يُشار إلى أنه بموجب القانون المدني الصيني، تُمنح الأمهات عادةً حضانة الأطفال دون سنّ الثانية. كما أن الأسر التي تُعيلها أمهات عازبات أكثر شيوعاً بكثير في المجتمع الصيني من الأسر التي يُعيلها آباء عازبون، إذ تحصل الأمهات عادةً على الحضانة في معظم حالات الطلاق، وفق سجلات محلية.
