عربي
لعلّ أكثر ما يلفت الانتباه في الحرب على إيران أنّها تشكّل مواجهة بين ثلاث قوى تعاني، بدرجات متفاوتة، من العزلة: فإلى جانب إسرائيل المنبوذة وإيران الوحيدة، تبدو أميركا قد انزلقت إلى موقع عزلة دولية غير مسبوقة. فعلى عكس الحروب التي خاضتها واشنطن في العراق وأفغانستان وليبيا إلى جانب عشرات الدول، وبتفويض من الأمم المتحدة أو من حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو مَن دونهما، تقف أميركا اليوم وحيدةً، مُحاصَرةً وهي تحاصر موانئ إيران التي لا تقلّ عنها عزلة؛ حرب تخوضها بلا هدف واضح، بلا هيبة، بلا حلفاء استراتيجيين ما عدا الحليف الإسرائيلي الذي اتضح أنّه ورّطها في حرب عدوان تعزّز مكانة الصين دولياً أكثر ممّا تخدم مصالح واشنطن، بل تدقّ آخر مسمار في نعش الهيمنة الأميركية وتنذر بانهيار نفوذها.
تعود فكرة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية لحلّ أزمة مضيق هرمز إلى الدبلوماسي الأميركي ريتشارد هاس. في مقال نشره في 18 الشهر الماضي (مارس/ آذار) بعنوان "مضيق هرمز... أن يكون مفتوحاً أمام الجميع أو مغلقاً أمام الجميع"، اقترح أن تعمل أميركا، بدعم سياسي وعسكري من شركائها في منطقة الخليج وأوروبا وآسيا، لفرض مبدأ تكافؤ الوصول إلى مضيق هرمز، من خلال وقف شحنات النفط الإيرانية إلى أن تتوقّف طهران عن تهديد الملاحة عبر مضيق هرمز. بحسب هذه الرؤية، لا بدّ من توافق دولي من شأنه عزل إيران اقتصادياً من دون الانزلاق إلى الحرب، والضغط على حليفها الصيني لإقناعه بالإبقاء على المضيق ممرّ عبور دولي غير خاضع لسيطرتها.
تبنّى ترامب الاقتراح من دون أن ينسبه إلى هاس، وعلى عادته استعجل تنفيذه من خلال تغريداته وتصريحاته المُربِكة. بدلاً من حشد دعم أكبر عدة حلفاء لإضفاء صبغة دولية على حصار قد يجبر إيران على التراجع عن العبث بنظام الملاحة الدولية، فاجأ ترامب الجميع بقراره فرض الحصار، وبإملاءات دبلوماسيته القسرية التي رفض حلفاؤه الغربيون وغيرهم الامتثال لها. لم تكتفِ بريطانيا وفرنسا برفضهما الانخراط في عملية الحصار، بل قرّرتا استضافة مؤتمر لدراسة فكرة تحالف دولي يضمّ نحو 40 دولة لاستعادة حرّية الملاحة في مضيق هرمز وتأمينه بطرق سلمية بعد انتهاء الحرب. انعكس هذا الموقف على قرار حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بعدم المشاركة في حصار مضيق هرمز، مفضّلاً الانخراط في مبادرة سلمية لفتح المضيق في حال انتهاء الحرب. ونأت أستراليا بنفسها عن الحصار الأميركي أيضاً، مثلما تجنّبت كندا واليابان وحكومات أوروبية عديدة تأييد الخطوة الأميركية، مفضّلةً نهج الحياد والحلّ السياسي.
فات ترامب أنّ الحرب الإسرائيلية - الإيرانية تدور رحاها في سياق تغيّرات تطرأ على النظام العالمي الذي يتجه نحو تعدّدية قطبية
لم ينصت ترامب إلى شركاء أميركا، من كندا إلى أستراليا مروراً بأوروبا والخليج العربي، وتحذيراتهم من مخاطر حرب عدوانية ضدّ إيران في غياب مبرّر قانوني، وخشيتهم إشعال حرب إقليمية تفوق عواقبها الاقتصادية والسياسية والأمنية التوقّعات كلّها، خاصّةً أنّ أيّ اضطراب في مضيق هرمز يهدّد دولاً أوروبية وآسيوية عديدة بأزمة طاقة كبرى لاعتمادها على الغاز المسال الذي تنتجه دول الخليج.
كثيرة دواعي انهيار التحالف الدولي من حول واشنطن خلال حرب إيران، نتيجة تراكم سياسات ترامب السيئة من استهدافه كندا والحلفاء الغربيين من خلال فرض رسوم جمركية مجحفة، وتراجعه عن دعم الحرب على أوكرانيا، وتهديده بالسطو على جزيرة غرينلاند والانسحاب من "الناتو"، فضلاً عن مخاطبته لهم بأسلوب يغلب عليه الشتم والقذف والتحقير الذي يضرب بعُرْض الحائط القواعد والأعراف الدبلوماسية كلّها.
تحوّلت سياسة "أميركا أولاً" إلى "أميركا وحدها"، مؤشّراً واضحاً على تراجع نفوذها وتآكل دورها
فات ترامب أنّ الحرب الإسرائيلية - الإيرانية تدور رحاها في سياق تغيّرات تطرأ على النظام العالمي الذي يتجه نحو تعدّدية قطبية تسعى كلٌّ من الصين وروسيا وعدد من دول "الجنوب العالمي" إلى ترسيخها للحدّ من الهيمنة الأميركية. لقد اختارت دول مثل الهند والبرازيل الحياد بدلاً من الاصطفاف مع واشنطن، للحفاظ على استقلاليتها بدلاً من الانضواء تحت هيمنة قوة واحدة، في رسالة مفادها أنّ زمن القيادة الأحادية قد انتهى، وزمن التماهي تلقائياً مع سياساته وإملاءاته وتقلّباته قد انتهى أيضاً.
يفرط الرجل في التذمّر من "خذلان" الجميع حتى لا يقرّ بأنّه، بتهميشه منظومة الأمم المتحدة وإعلان انسحاب بلاده من عشرات المنظّمات الدولية والاتفاقات والشراكات الدولية، لم يتسبّب فقط في تعطيل الدبلوماسية متعدّدة الأطراف التي يحتاجها اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، بل عطّل الدور القيادي الذي كانت تقوم به واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية، مخلّفاً بذلك فراغاً دبلوماسياً لا تتردّد الصين في محاولة سدّه. وليست تهديدات ترامب بمحو الحضارة الإيرانية هي التي أقنعت طهران بالقبول بوقف إطلاق النار الذي تقدّمت به باكستان، بل الضغوط التي مارستها الصين على النظام الإيراني لحفظ مصالحها التجارية باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني. فبينما أبرزت الحرب على إيران تدهور نفوذ واشنطن عبر العالم، تعمل الصين على ترسيخ صورتها دولةً عظمى صاعدةً، مستقرّةً، موثوقةً، تمتلك، إلى جانب قوتها الاقتصادية، قدرةً على لعب دور الوساطة في حلّ النزاعات في أكثر بؤر النزاع اشتعالاً في العالم، ويُعدّ التقارب الإيراني - السعودي من أبرز محطّاتها.
قد تفضي الحرب على إيران إلى مكاسب صينية أخرى، بينما ينكشف ضعف أميركا الدبلوماسي في سعيها لاستعراض القوة الصلبة. أمّا وقد تحوّلت سياسة "أميركا أولاً" إلى "أميركا وحدها"، فلم يعد الحصار الذي تفرضه على إيران، في غياب دعم دولي فعلي، دليلاً على قوتها أو هيمنتها، بل غدا مؤشّراً واضحاً على تراجع نفوذها وتآكل دورها القيادي في عالم مترابط، لا تستقيم فيه العلاقات الدولية من دون حلفاء، ولا يُنظر فيه إلى هؤلاء أتباعاً خاضعين، بل شركاء في إنتاج القوة التي تتقلّص من دونهم، حتى لدى أقوى الدول عبر التاريخ.

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 18 دقيقة