فلينته هذا العالم
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
في عالمٍ مأزومٍ يتلمّس طريقه في الظلام، يجد الإنسان غير المنكوب، في إحدى أزماته، نفسَه في ورطة أخلاقية، هل يواصل حياته أم يهدّئ إيقاعاتها تحت إحساسٍ ثقيلٍ بالذنب تجاه ضحايا الإجرام؟ في إحدى المرّات، وفي لحظة يأس، قلت لو أنّ نهاية الإبادة تعني نهاية العالم، فليته ينتهي، لو أنّ نهاية تقتيل الناس بالجملة، وبأشنع الطرائق، وترك أحبّتهم مفجوعين بهم، ولا أحد منهم يعرف إن كان سيعيش في الساعات المقبلة، وأحياناً الدقائق المقبلة... لو أنّها لن تأتي إلا بأن يُبيدنا الله من وجه الأرض، فليكن. فلتكن نهايةً واحدةً يُخسَف فيها هذا الكوكب حتى ينتهي الظّالمون عن إجرامهم، ويرتاح الأبرياء. الأمور ليست بهذه البساطة، إنّما اليأس لا يترك مجالاً للعقلانية، وكيف يكون المرء عقلانياً والحروب تسكن منطقتنا، وتطحن بعضهم أكثر من غيرهم؟ مع تواصل مأساة الفلسطينيين ومن خلفهم اللبنانيون وغيرهم. يتكثّف اليأس من غياب الأمل، وهل صار يأمل غير السذّج والغافلين؟ صحيحٌ أنّ الناس الذين لا يُقيمون تحت النار يواصلون حياتهم اليومية، لكنّ قلوبهم معلّقة مع الضحايا. ما العمل مع العجز؟ "فلينته هذا العالم" كما صرخ يوماً الشاعر الفرنسي إيف بونوا. غرابة الموقف الذي يجد أهل هذه المنطقة أنفسهم فيه تدفعهم إلى ما هو المشترك، وليس من قوة أكبر من مصيبة مشتركة لجمع الشمل. لتُحوّل بوصلة الإنسان من راحته الفردية إلى إدراكه وحدة المصير البشري. علّمت البيئة الإنسان البحث عن الخلاص الفردي حتى لو ذهب العالم إلى الجحيم، فالعولمة تدفعه إلى البحث عن أرضٍ آمنة تحقّق الثروة، تماماً كما فعل قديماً حين تجوّل في الأرض، تاركاً أهله بحثاً عن أرض خصبة، وهروباً من مصائر الجماعة لم يخترها. لكنّ هذا العصر، على تطرّفه في الدفع إلى الفردية، يجعل المرء يدرك، ولو متأخراً، أهمية وحدة الجماعة. لقد هدّدوا بحرب نووية لن تبقي أحداً على مسافة آمنة، وتفتح باب سلاح أريد به أن يكون البعبع لا أن يُستخدم. إنّه الشيء الوحيد الذي تُخاض معارك كبرى لصنعه ولا يخطّط أحدٌ لاستعماله. "يكفي أنّك موجود"... يقول أحدنا لقريب عزيز عليه لا داعي لأن يفعل أيّ شيء. وهذا المطلوب من القنبلة النووية، يكفي أن تكون بحوزة الشخص ليشعر بالأمان، لكنّه كاللعب بالنار، لا أحد يضمن حين يحكم الحمقى. لنُمح جميعاً إذا كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لإيقاف القتل. لأنّ الحقيقة المرّة أنّ القتل سيستمرّ طويلاً ما دامت الموازين كما هي الآن. لا أحد يعرف يقيناً مستقبل الحرب مع إيران، لكن أميركا وإسرائيل أدركتا أنّ الأمور ليست بالسهولة التي تتوقّعها. هذا لا يعني أنّ السلام سيعمّ، إنّما الأمر ستزداد صعوبةً، إذ ستُتّخذ خيارات غير سهلة، مع الأمل في أن تواصل دول الجوار امتناعها عن الدخول في الحرب حتى ينتهي ترامب ونتنياهو من مغامرتهما المجنونة هذه. هما الآن في موقفٍ حرجٍ لفشلهما في تغيير النظام في إيران، وهو فشل له معنى كبير، وسيلجمهما إلى حين على الأقلّ إلى أن يغادر ترامب مكانه بعد حين يبدو طويلاً بالنظر إلى ما جرى كلّه منذ توليه منصبه. نعيش في إحدى أسوأ الفترات في تاريخ العالم، إذ تحكمه دولة واحدة، وهذه الدولة يحكمها شخص أحمق هائج، يتحكّم فيه مجرم حرب. ربّما عاش العالم حروباً أكثر شدّةً، أو أوبئة ومصائب، لكن لم يحكمه يوماً رجل واحد، هل نتخيّل ذلك: رجل واحد يحكم ثمانية مليارات في العالم؟ وليس أيَّ رجل. الأمر ليس لعنة على منطقتنا فحسب، بل على باقي المناطق، أوروبا وروسيا والصين والهند، وآخرين وغيرهم من الصامتين. والاقتصاد العالمي ينهار، فما يحدُث الآن لجميع المليارات الثمانية: التضخّم وتراكم الديون وانهيار سوق العمل. إنّه يشبه الزلزال الذي حدث مع كورونا، لكن حينها، لم ينجح أحدٌ في تحميل الصين مسؤولية الفيروس مصنّعاً له رغم التهم كلّها، لكنّ المُسبِّب الآن واحد ومعروف، وهو فيروسٌ طفيلي لم يجلبْ سوى الخراب، اسمه "إسرائيل" التي وجدت ناقلاً أعمى لهلاوسها، وما استطاع أحد صنع لقاح له.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية