عربي
رحم الله الروائي الأردني، تيسير سبول، انضافت إلى كآبته الشخصية، وحيرته في أسئلة وجودية صعبة، كآبةٌ قومية، جعلته ينتظر من حرب 1973 أن تحرّر فلسطين، لكنها لم تفعل. ثم لمّا شاهدَ في أعقابها صور ضبّاط مصريين مع ضبّاط إسرائيليين يتفاوضون في خيمةٍ، أطلق بعد أيام، في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، رصاصةَ مسدّسٍ على نفسه، ليموت في منزله في حي ماركا في عمّان منتحراً في عامه الرابع والثلاثين. ولمّا شارفت دبّابات جيش الاحتلال الإسرائيلي الوصول إلى بيروت في الاجتياح المعلوم، يوم 5 يونيو/ حزيران 1982، وصلت كآبة الشاعر اللبناني خليل حاوي القومية إلى ذروتها، فأطلق على رأسه، في العاشرة مساء ذلك اليوم، رصاصة من بندقية صيدٍ لديه، في منزله في شارع المكحول، فقضى منتحراً عن 63 عاماً، وهو الذي انتسب، في شبابه، إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، ثم عبَرَ في تجربة عاطفيةٍ متعبة.
أما وأنّ سفيرة لبنان في واشنطن، ندى حمادة معوّض، قد التقت نظيرَها الإسرائيلي، في اجتماع محادثاتٍ (لم يسمّوها مفاوضات)، بحضور وزير الخارجية الأميركي، روبيو، فقد يُرى هذا، في منظورٍ مُسوَّغ، سبباً لجرعةٍ أخرى من الكآبة تُضاف إلى أرطالها فينا، وإنْ كنّا تجاوزناها قصص اجتماعات مسؤولين إسرائيليين وعرب، هناك في دولة الاحتلال أو في مدن عربية وغير عربية، فلم تعُد، منذ زمن غير قصير، تُشيع فينا تلك السويداء العتيدة، التي صنَع أولى مداميكها أنور السادات، الذي كان مقدّراً أن تصل إليه برقيةٌ تُهنّئه على شجاعته، يوم سفره إلى القدس المحتلة في 1977، من الملك حسين، غير أن رجلاً اسمُه مضر بدران، كان رئيس وزراء الأردن، حال دون أن تُرسَل... غادَرْنا ذلك الزمن الذي تسحب فيه غالبية الدول العربية سفراءَها من القاهرة بسبب تطبيع السادات مع إسرائيل، وصرنا في زمنٍ يقترح فيه رئيس لبنان، جوزاف عون، محادثاتٍ مباشرةً مع إسرائيل، فيمارس نتنياهو ممانعةً عدة أسابيع، مصحوبةً بجولاتٍ من العدوان اليومي، والمذابح المشهودة، قبل أن يوافق، فيصير لقاء السفير والسفيرة في ضيافة الخارجية الأميركية.
اليأس والعجز يفسّران حدوث اللقاء الذي يبعُث، لا شكَّ، على الامتعاض والتبرّم، إن لم يُرِد بعضُنا الرفض. تستشعر السلطة في لبنان أنها في العراء، لا تنفعها إداناتٌ لفظيةٌ من هذه العاصمة وتلك للاعتداءات الإسرائيلية التي تأخذ سمْتاً إجراميّاً، ولا يُصرف شيءٌ من بيانات التضامن العربية. وفي الغضون، ليس من قدراتٍ لدى الدولة تمكّنها من ردّ إسرائيل على أعقابها. وبسالة المقاومين في حزب الله وبطولاتُهم اللتين تستحقّان، في أعراف صاحب هذه المقالة، كل إعجاب وثناء، لا تُجبِر إسرائيل على وقف تماديها. ولهذا كله، لا يجد الثنائي جوزاف عون ونواف سلام حرجاً في تواصلٍ مباشرٍ مع دولة الاحتلال، باعتباره مقترح الدولة اللبنانية، بضوابط سقفُها وقف إطلاق النار أرضية أيّ مفاوضاتٍ تعتني بتطبيق اتفاق نوفمبر 2024.
هل يُجاز القول إنها الهزيمة العربية أمام الغول الإسرائيلي والصلف الأميركي خلف مشهد السفيرة والسفير (لم يتصافحا)؟. ... نعم. وليس تفلسفاً أن يُشرَح هذا، ولو بشيء من تبسيطٍ غير مخلّ، فيقال إنها هزيمةٌ واسعة، سابقةٌ لمشهدهما المتوقّع أن تعقبه مشاهدُ مثيلة، ليس مؤكّداً أنها ستفرض التزاماً إسرائيلياً بوقف الاعتداءات والاستباحات، فانسحابُ المحتلّين من أراضٍ لبنانيةٍ قد يستغرق زمناً يقصر أو يطول بحسب قدرة المفاوض اللبناني، المفترض أن يكون مسنوداً من الكلّ اللبناني، في معركةٍ غير سهلةٍ مع المفاوض الإسرائيلي المدعوم أميركياً.
شاهدنا جنوداً إسرائيليين يلهون في ساحة ألعابٍ متقشّفة، في روضة أطفالٍ في بلدةٍ في الجنوب اللبناني تهجّر أهلوها. بدت صورتُهم فضّاحة، تقول لنا إن الهزيمة التي نقيم في ظهرانيها ليست هزيمة جيوش في حروبٍ، وإنما هزيمةٌ عريضة، وعامّة، من العدل الواجب أن تتوزّع المسؤولية عنها على الجميع اللبناني، وقبله وبعده، الجميع العربي. ولا بأس من استعادة أنفاسٍ من أدبيات ما بعد حزيران 1967 لمّا كتب ياسين الحافظ وغيرُه إن الهزيمة الشهيرة كان يمكن أن تكون أقلّ دويّاً وإذلالاً. والمؤكّد أن الحادث في لبنان يُشهر هزيمةً ترفع بيارق العجز والكُساح، وكان حسناً من الرئيس عون نجاتُه من خديعة أميركية أرادت توريطه في محادثةٍ هاتفيةٍ مع نتنياهو، لو صارت لكانت الهزيمة أشدّ وطأة، فظلت في حدودٍ أدنى، يؤمل أن تظلّ فيها، فلا تسوقنا كآبةٌ مُضافةٌ إلى أن يُستدعوْن إلى البال، تيسير سبول وخليل حاوي ومضر بدران وأزمنتهم.
