عربي
تحمل ذاكرة عاملات مهاجرات من سيريلانكا يعملن لدى عائلات في لبنان منذ سنوات، وقائع الحرب الأهلية في بلادهن التي انتهت قبل أكثر من عقدَين، والتي اختبروا خلالها النزوح والتهجير وفقدان البيوت، وقد استعدن تلك المشاهد خلال الحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان، وقرّرن إطلاق مبادرة إنسانية في يوم عطلتهنّ لدعم النازحين.
قرّرت مجموعة العاملات السريلانكيات المكونة من نحو ثلاثين سيدة، يعملن في مختلف مناطق لبنان، إعداد وجبات طعام للنازحين الموجودين قرب منطقة البيال في وسط بيروت أسبوعياً، على حسابهنّ الخاص من دون أي دعم أو تمويل. تجتمع النساء في مكان خلف باحة كنيسة القديس يوسف، يُحضرن مكونات الطبخة، ثم يوزعن الأدوار بينهنّ لإعداد وجبات تكفي ما يقارب 150 شخصاً، ثم يقمن بتقسيم تلك الوجبات في صحون خاصة لتوزيعها.
تعيش السريلانكية كونجلا كولتونغ (47 سنة) في لبنان منذ نحو عشرين عاماً، وهي تعمل لدى عائلة في منطقة برمانا، وتقول لـ"العربي الجديد": "أصبحت حياتي مرتبطة بهذا البلد كما لو أنه وطني الثاني. مع بداية الحرب في لبنان، عاد إليّ شعور قديم عشته في بلدي حين مررنا بحرب أهلية قاسية، واضطر كثيرون إلى ترك منازلهم والبقاء في الملاجئ. أتذكر كيف كانت الحياة صعبة، وحين رأيت ما يحدث هنا، شعرت أن المشهد يتكرر، وأن معاناة الناس واحدة، مهما اختلفت البلدان".
تضيف كولتونغ: "بدأت المبادرة من شعورنا بحجم الأزمة. قرّرنا نحن مجموعة العاملات أن نساعد بما نستطيع، وقمنا بجمع المال من بعضنا، كل واحدة تساهم بما تقدر عليه، ثم استأجرنا فرن الغاز والطناجر، وبدأنا طبخ الطعام. نسعى لكي يكون ساخناً قبل توزيعه، واليوم قمنا أيضاً بتحضير بعض السندويتشات بسبب عدم قدوم جميع العاملات المتطوعات".
وتكمل "نحضّر الطعام يوم الأحد فقط، ونجهز ما بين مئة إلى مئة وخمسين وجبة، بحسب الإمكانيات المتاحة. لا نحصل على أي تبرعات، ونعتمد على أنفسنا، فواحدة منا تجلب صندوق مياه، وأخرى تؤمّن مواد غذائية، وهكذا نكمل بعضنا البعض. نوزّع الطعام في منطقة البيال، وأساساً على الناس الموجودين في الخيام، ونصل إلى هناك عبر سيارات الأجرة التي ندفع كلفتها من مالنا الخاص. نتحرّك عادةً ضمن مجموعات صغيرة، ثلاث أو أربع نساء، ننزل معاً ونعود معاً. ما نقوم به ليس كبيراً، لكنه نابع من تجربة وألم مشترك. نعرف معنى أن يفقد الإنسان بيته، لذلك نحاول أن نقف إلى جانب من يعيشون هذا الألم".
تقف نيروشيني بندارمينكي (54 سنة) في تلك الزاوية المخصصة لتجهيز الطعام، وتروي لـ"العربي الجديد"، أنّ الحرب الأهلية التي عاشتها في طفولتها في سيريلانكا كانت وراء شغفها لمساعدة النازحين في هذه الحرب، وتضيف: "أعيش في لبنان منذ عشرين عاماً، وأعمل لدى عائلة في منطقة جونيه- ساحل علما منذ سنوات طويلة، وقد أصبحت العلاقة بيننا أقرب إلى العائلة".
لا تُخفي نيروشيني دموعها وهي تتحدّث عن بلدها، مستعيدةً ذاكرة الحرب التي عاشتها، والتي عادت لتفرض نفسها مع مشاهد النزوح في لبنان، تقول: "مع بداية الحرب شعرنا بوجع كبير تجاه الناس الذين هجّروا أو فقدوا بيوتهم. هذا الشعور لم يكن غريباً علينا، لأنّنا في سريلانكا عشنا أيضاً ظروف الحرب ونحن صغار، ونعرف معنى الخوف، والنزوح، لذا قرّرنا أن نقوم بشيء، ولو كان بسيطاً". تضيف: "بدأنا جمع المال من بعضنا، وهي مبالغ صغيرة من رواتبنا، ثم تحضير الطعام وتوزيعه على النازحين. لا نملك الكثير، لكنّنا نشعر أنّنا عائلة واحدة، ولا يمكننا أن نرى الناس يتألمون من دون أن نساعدهم. ننزل كل يوم أحد عندما تتاح لنا الفرصة، رغم أن هذا اليوم هو يوم عطلتنا. لكن بالنسبة لنا، مساعدة الناس أهم، وكل واحدة منّا تحاول أن تقدّم ما تستطيع".
بدورها، تقول العاملة رانجيني بيريرا لـ"العربي الجديد": "أشعر بسعادة كبيرة لوجودي هنا. أحب هذا البلد كثيراً، وأشعر أن الناس جميعاً عائلة واحدة، فالإنسانية تجمعنا. لبنان بالنسبة لي مكان احتوانا، لذلك نحاول رد جزء مما قدمه لنا. نساهم من مالنا الخاص كي نتمكّن من تحضير الطعام، ونؤمّن كل شيء بأنفسنا، من الغاز إلى أدوات المطبخ والمكوّنات، رغم محدودية الإمكانيات".
وحول ظروف تكوين هذه المجموعة، توضح: "تعرّفنا إلى بعضنا من خلال اللقاءات الأسبوعية في الكنيسة، وكوّنّا مجموعة نتواصل عبرها، وكنا نجتمع كل يوم أحد. خلال الحرب كنا نلتقي في المكان نفسه. بعضنا يأتي من برمانا، وأخريات من مناطق مختلفة. نحضّر ما بين مئة إلى مئة وخمسين وجبة، بحسب ما يتوفر، وتتنوّع الأطباق بين الفاصوليا والأرز والساندويتشات، ونحاول دائماً أن نقدّم الطعام طازجاً للناس".
في حكاية أخرى، تقول جامبا بوماري (57 سنة)، التي تعمل في الخدمة المنزلية في منطقة الكولا منذ أكثر من 21 عاماً: "لبنان بالنسبة لي بلد عشت فيه معظم حياتي، وأشعر أنّني جزء منه. عملت لدى أكثر من عائلة، واليوم أعمل في منزل قضيت فيه ثماني سنوات، ووجدت ممن أعمل لديهم معاملة طيبة جعلتني أتمسك بالبقاء، لهذا لا يمكنني أن أنسى لبنان وأهله، فقد كان هذا البلد مصدر رزقي وكرامتي في الوقت نفسه". وتكمل: "مرّرت بالحرب في بلدي، لكنّني عشت أيضاً عدة حروب في لبنان منذ وصولي في عام 2004، ورغم أنني اعتدت على أجواء الحرب، فإنّ هذه الحرب تعد الأصعب. شعرت أن من واجبي أن أكون إلى جانب الناس عبر المشاركة في هذه المبادرة".
ومن كنيسة القديس يوسف في مونو- بيروت، إلى منطقة البيال في وسط المدينة، التقينا أحد النازحين، والذي أخبر "العربي الجديد": "نزحنا في بداية الحرب من بلدة صديقين في الجنوب إلى منطقة البيال، بعدما أصبح البقاء في البلدة مستحيلاً. حاولنا في البداية استئجار منزل، لكن الأسعار كانت خيالية. لديّ طفلان، ونعيش في خيمتين منفصلتين، ونحاول التأقلم، لكن ظروف النزوح صعبة. هناك مبادرات تخفّف عنا بعض الشيء، من بينها مبادرة العاملات السريلانكيات اللواتي يأتين لتوزيع المساعدات، وهذا يترك أثراً كبيراً، خاصة على الأطفال. حين نرى مبادرة من عاملات سريلانكيات فإن هذا عمل جميل ومؤثر، ويعكس تضامناً إنسانياً حقيقياً".
