مبادرة "حياة كريمة" في مصر بين الإنفاق العام وإشكالات الحوكمة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
أثارت واقعة توقف بث جزء من حلقة برنامج "على مسؤوليتي" الذي يقدمه الإعلامي أحمد موسى على قناة "صدى البلد"، وحذف فقرة تناولت مبادرة "حياة كريمة"، جدلاً تجاوز الإطار الإعلامي إلى نقاش اقتصادي أوسع يتعلق بكفاءة إدارة الإنفاق العام في مصر، وحدود الشفافية والحوكمة في المشروعات القومية الكبرى التي تعتمد على تمويل عام واسع النطاق. اقتصادياً، تعكس الواقعة جانباً من الجدل المرتبط بتداخل الأدوار المؤسسية في تنفيذ مشروعات التنمية، حيث تُصنف مبادرة "حياة كريمة" بوصفها مؤسسة ذات طابع أهلي وفق الإطار القانوني، لكنها تعمل فعلياً عبر شبكة تنفيذ حكومية واسعة تشمل وزارات الإسكان والتنمية المحلية والصحة والتضامن الاجتماعي وغيرها من الجهات التنفيذية، ما يجعلها نموذجاً مركباً في إدارة الاستثمار العام. وتُقدَّر الكلفة الإجمالية للمبادرة بنحو 400 مليار جنيه، موجهة لتحسين البنية التحتية والخدمات في آلاف القرى، مع استهداف ما يقارب 18 مليون مواطن في المرحلة الأولى. ويشمل نطاق الإنفاق تطوير شبكات مياه الشرب والصرف الصحي والطرق والمدارس والوحدات الصحية، إضافة إلى إدخال خدمات الغاز والكهرباء وتحسين الخدمات الاجتماعية في القرى الأكثر احتياجاً، خصوصاً في صعيد مصر. ومن منظور المالية العامة، تعتمد المبادرة على مزيج تمويلي متعدد المصادر، يشمل الموازنة العامة للدولة بشكل رئيسي، إلى جانب مساهمات صندوق "تحيا مصر" الذي تديره مؤسسة الرئاسة، فضلاً عن تبرعات القطاع الخاص والمجتمع المدني، مع دعم فني محدود من شركاء دوليين في بعض الجوانب، من بينهم الاتحاد الأوروبي ومؤسسات تابعة للأمم المتحدة. ويطرح هذا الهيكل التمويلي تساؤلات اقتصادية تتعلق باستدامة التمويل وتوزيع الأعباء المالية بين الدولة والقطاعين الخاص والدولي. وفي هذا السياق، قال مصدر حقوقي لـ"العربي الجديد" إن تشكيل مجلس إدارة المؤسسة يتم وفق القوانين المنظمة لعمل منظمات المجتمع المدني، مشيراً إلى أن غياب إطار حكومي مباشر واضح لعمل المؤسسة، التي تتعامل مع جهات الدولة باعتبارها جهة تنفيذية شريكة، يفتح نقاشاً متكرراً حول آليات الرقابة على التمويل وكفاءة التنفيذ والمساءلة، خصوصاً في ظل اتساع حجم الإنفاق وتعدد الجهات المنفذة. وأضاف المصدر أن تقارير ميدانية أشارت إلى وجود عيوب تنفيذية في عدد من المشروعات داخل المحافظات الفقيرة، خصوصاً في ملفات الصرف الصحي ورصف الطرق وتبطين الترع. وتشير البيانات الحكومية إلى أن المبادرة تستهدف رفع مستوى البنية الأساسية والخدمات العامة في الريف المصري، ضمن إطار يعتبره مجلس الوزراء مشروعاً قومياً لإعادة تطوير القرى. ورغم تصنيفها مؤسسةً أهلية من الناحية القانونية، فإنها تعمل ضمن منظومة تنفيذ حكومية واسعة، ما يعزز النقاش حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات شبه المستقلة في إدارة الإنفاق التنموي. ويرى عدد من الخبراء أن الاعتماد على مشروعات قومية واسعة النطاق يعكس فجوة في السياسات الاقتصادية الهيكلية، حيث لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة فقط عبر الإنفاق الاستثماري المباشر، بل عبر إصلاحات أعمق تتعلق ببيئة الإنتاج، وكفاءة تخصيص الموارد، ودور القطاع الخاص في النمو. وفي هذا الإطار، قالت الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي إن بناء اقتصاد الدول لا يقوم على المبادرات الفردية، بل على خطط استراتيجية شاملة توظف موارد الدولة كافة لزيادة الإنتاج والتشغيل والتصدير. وأضافت، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أن ترشيد الإنفاق العام ضروري للحد من ارتفاع الدين المحلي والخارجي، مع توجيه الاستثمارات نحو قطاعات التصنيع والإنتاج الزراعي لتعزيز الاستدامة الاقتصادية. من جهة أخرى، يرى التيار المعارض للمبادرة أن توسع الدولة في تنفيذ مشروعات ضخمة يثير تساؤلات حول كفاءة تخصيص الموارد واستدامة التمويل، مقارنة بنماذج تعتمد على آليات السوق. كما تُطرح تساؤلات حول معايير اختيار القرى والمشروعات المستهدفة، ومدى خضوعها لاعتبارات تخطيطية بحتة، مقابل تأثيرات اجتماعية أو سياسية محلية. ويشير بعض المنتقدين إلى أن ضعف المجالس المحلية المنتخبة في بعض المراحل يحد من الرقابة الشعبية المباشرة على أولويات التنفيذ، ما يفتح نقاشاً متجدداً حول ضرورة إصدار قانون الإدارة المحلية المعطل منذ أكثر من عشر سنوات، وإجراء انتخابات محلية كاملة لتعزيز الشفافية والمساءلة على مستوى البلديات. وفي سياق تقييم الحوكمة، تشير بيانات دولية إلى أن مصر جاءت في المركز 130 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في ألمانيا في فبراير/شباط الماضي، وهو ما يعكس استمرار التحديات في مجالات الشفافية والحوكمة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة. ورغم أن المؤشر لا يتناول مبادرة بعينها، فإنه يعكس الإطار العام لإدارة السياسات المالية والإنفاق العام، بما ينعكس على الجدل المتصاعد حول المشروعات القومية الكبرى، التي تستحوذ على جزء كبير من إيرادات الموازنة العامة، إلى جانب قروض خارجية تجاوزت 163 مليار دولار في مارس/آذار الماضي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية