حكم يُلزم صندوق الثروة السيادي النيوزيلندي بمراجعة استثماراته
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
كانت نيوزيلندا على موعد مع حكم قضائي وصفته الدوائر الحقوقية والمؤيدة لفلسطين بالتاريخي، اليوم الخميس، واعتبرته انتصاراً للحقوق الفلسطينية. إذ قضت المحكمة العليا في أوكلاند بأن القائمين على إدارة صندوق الثروة السيادي النيوزيلندي المعروف بصندوق التقاعد، الذي تبلغ محفظته الاستثمارية 86 مليار دولار، أخفقوا في معالجة قضايا حقوق الإنسان بشكل كافٍ عند اتخاذ قرارات تتعلق باستبعاد شركات من استثماراته. واعتبرت المحكمة أن أجزاء من سياسات الصندوق وأطره الاستثمارية "غير مبررة وغير قانونية"، وألزمت الصندوق بتحمل نفقات الدعوى القضائية لشبكة التضامن مع فلسطين في نيوزيلندا. وجاء الحكم بعدما قبل القاضي سايمون ماونت طلب مراجعة قضائية تقدّمت به الشبكة، التي طعنت في سياسات الاستثمار الأخلاقي المعتمدة لدى الجهة المشرفة على الصندوق، وهي "حُرّاس التقاعد النيوزيلندي". كما ألزمت المحكمة الجهة الحكومية بدفع التكاليف القانونية للشبكة. ويُعدّ الصندوق، الذي أُنشئ عام 2001، أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في البلاد، إذ تبلغ أصوله نحو 86 مليار دولار، ويهدف إلى دعم تكاليف التقاعد. وبموجب القانون، يتعين على القائمين عليه الاستثمار وفق أسس تجارية رشيدة، وإدارة الأصول بأفضل الممارسات، مع تجنب الإضرار بسمعة نيوزيلندا بصفتها "عضواً مسؤولاً في المجتمع الدولي"، وهو المبدأ الذي شكّل محور القضية. وتطالب الشبكة منذ سنوات بسحب استثمارات الصندوق من شركات تقول إنها متورطة في انتهاكات لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان الصندوق قد استبعد، في عام 2012، شركات مرتبطة بالاستيطان، كما قرر في عام 2021، بعد ضغوط مستمرة، استبعاد خمسة بنوك إسرائيلية بدعوى وجود مخاطر غير مقبولة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان. غير أن الشبكة تقدمت، في سبتمبر/أيلول الماضي، بطلب رسمي لإجراء مراجعة قضائية للطعن في استثمارات الصندوق في شركات سبق أن حددها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ضمن قائمته المحدثة في يونيو/حزيران 2023، باعتبارها شركات تقدم خدمات ومرافق تدعم بقاء وصيانة المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان الرئيس المشارك لشبكة التضامن مع فلسطين ماهر نزال قد أوضح في حديث سابق لـ"العربي الجديد" أن "ثمة أربع شركات رئيسية مدرجة في القائمة الأممية، وهي: (إير بي إن بي)، و(بوكينغ دوت كوم)، و(موتورولا)، و(ألستوم). وتورط هذه الشركات متنوع: فالأولى والثانية تعرضان عقارات في المستوطنات، فيما تمتلك موتورولا تاريخاً طويلاً في تزويد إسرائيل بأنظمة مراقبة متقدمة وبنى تحتية لوجستية تعزز السيطرة الأمنية على الفلسطينيين، بينما شاركت ألستوم في مشاريع ربط المستوطنات غير القانونية عبر شبكات نقل مفصولة عنصرياً"، ورأى أن "هذه التفاصيل تعكس عمق الارتباط بين الاقتصاد العالمي وشبكات الاحتلال، وتفسر دوافع الطعن القضائي في استثمارات المال العام النيوزيلندي".  وأشار الحكم إلى أن إدارة الصندوق ردّت، في عام 2024، بأن هذه الشركات "لا تستوفي حالياً معايير الاستبعاد" وفق إطار الاستثمار المستدام المعتمد. وأظهر قرار المحكمة أن سياسات الصندوق شهدت تغييرات جوهرية منذ عام 2020، حيث أُزيلت معايير مرجعية أساسية، مثل مبادئ الاستثمار المسؤول ومبادئ الاتفاق العالمي للأمم المتحدة، التي كانت تنص صراحة على دعم واحترام حقوق الإنسان وعدم التواطؤ في الانتهاكات. كما خلص القاضي ماونت إلى أن النهج المتّبع في استبعاد الاستثمارات "يفتقر إلى الاتساق"، وأن السياسات الحالية لا تلبي المتطلبات القانونية الأساسية عند التعامل مع مزاعم انتهاك حقوق الإنسان. وأكد ماونت أن على الجهة المشرفة إعادة صياغة سياساتها بما يتوافق مع القانون، ما قد يفتح الباب أمام مراجعة قرارات استثمارية قائمة. وبحسب الحكم، فقد استثمر الصندوق نحو 67 مليون دولار في الشركات الأربع محل النزاع. وفي حديث لـ"العربي الجديد"، قال الرئيس المشارك للشبكة جون مينتو إن "القضية التي رفعناها أمام المحكمة استغرقت عامين من العمل المكثف من قبل شبكة التضامن مع فلسطين في نيوزيلندا وفريقنا القانوني المؤلف من ثلاثة محامين حتى الوصول إلى هذه النتيجة الإيجابية"، موضحاً أن "القرار يشكّل محطة مفصلية بالنسبة لكبار المستثمرين الذين يملكون أموالاً هائلة في شركات تساعد إسرائيل في ارتكاب جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني"، وأشار إلى أن "أهمية الحكم تبرز بشكل خاص في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، بما في ذلك إحراق منازل الفلسطينيين واقتلاع محاصيلهم، فضلاً عن إصابة وقتل عائلات في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، لافتاً إلى أن "قادة إسرائيليين أصدروا، قبل يومين، قراراً سرياً بالتصديق على إقامة 30 بؤرة استيطانية جديدة غير قانونية على الأراضي الفلسطينية". وأضاف أن "إسرائيل تواصل هذه الممارسات لأنها تدرك أنها لن تُحاسب". ورأى أن "قرار المحكمة العليا، الذي يُلزم صندوق التقاعد بأخذ معايير حقوق الإنسان على محمل الجد بشكل أكبر عند اتخاذ قرارات مرتبطة بالاستثمارات، سيجبر الشركات على وقف الاستثمار في سياسات الأبارتهايد والانتهاكات الإسرائيلية"، وخلص إلى أن "صندوق التقاعد حقق أرباحاً من معاناة الفلسطينيين، وعليه الآن تصحيح هذا المسار"، مشيراً إلى أن "ثمة 156 شركة مدرجة على قائمة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة متورطة في جرائم حرب في فلسطين، ويجب على الصندوق الامتناع تماماً عن الاستثمار في أي منها". واعتبرت شبكة التضامن مع فلسطين، في بيان، القرار "انتصاراً مهماً للحقوق الفلسطينية"، معربةً عن ثقتها بأن الصندوق سيتجه إلى سحب استثماراته من الشركات المعنية بعد تعديل سياساته. وأضافت أن الصندوق "يحقق أرباحاً من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي" في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، داعيةً إلى اعتماد معايير أكثر صرامة تتماشى مع التزامات نيوزيلندا الدولية. وانتقدت الشبكة غياب معايير واضحة للاستبعاد على أساس انتهاكات حقوق الإنسان، معتبرةً أن السياسات الحالية "غامضة وتتيح تفسيرات ذاتية"، ما يمكّن الصندوق من الإبقاء على استثمارات مثيرة للجدل. كما أشارت إلى أن التعديلات التي أُدخلت على السياسات جاءت بعد استبعاد البنوك الإسرائيلية، ما أدى إلى إضعاف الإطار الأخلاقي المعتمد. في المقابل، قالت المديرة التنفيذية للجهة المشرفة على الصندوق جو تاونسند إن المؤسسة تدرس حالياً تداعيات الحكم، مؤكدةً أنها تدير أموالاً نيابة عن جميع النيوزيلنديين، وأن ذلك يفرض مستوى عالياً من المساءلة. وأضافت أن الصندوق سيقيّم القرار بعناية لتحديد الخطوات المناسبة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية