عربي
في تصريحٍ حمل أبعاداً جيوسياسية واقتصادية، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، من العاصمة الصينية بكين، استعداد بلاده لتعويض النقص في موارد الطاقة لدى الدول الشريكة التي ترغب في العمل مع موسكو على أساس "المساواة والمصالح المتبادلة". جاءت هذه التصريحات في وقتٍ تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية موجةً من الاضطراب بفعل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وفي ظل مساعٍ أوروبية لقطع الاعتماد على المحروقات الروسية.
وبينما تحاول روسيا تعزيز موقعها مورداً رئيسياً للطاقة في آسيا، يكشف تحليل الخبيرة الاقتصادية الروسية أولغا بونوماريفا، من "مؤسسة السياسة الاقتصادية"، لـ"العربي الجديد"، عن صورة أكثر تعقيداً تتجاوز مجرد إعادة توجيه النفط الروسي من الغرب إلى الشرق. فـ"المعادلة التي تحكم العلاقة بين موسكو وشركائها، وفي مقدمتهم الصين والهند، تقوم على حسابات عملية بحتة تتعلق بتسعير العقود، واستقرار سلاسل التوريد، وتوازنات أمن الطاقة لدى المستوردين".
ويثير تركيز لافروف على عبارة "الأساس المتبادل للمنفعة" تساؤلاً محورياً: هل يعني ذلك استعداد الكرملين لتقديم تخفيضات دائمة لشركائه الشرقيين، أم أن الأمر يتعلق بإعادة هيكلة آلية التسعير نفسها بعيداً عن المؤشرات القياسية الغربية؟. وتوضح الخبيرة بونوماريفا أن "تحديد سعر النفط الروسي لم يعد عملية بسيطة. فمن جهة، تفرض العقوبات الغربية وسقوف الأسعار تخفيضات على الخام الروسي، لكن من جهة أخرى، تؤدي الأزمات الجيوسياسية - كما هو الحال اليوم في الشرق الأوسط - إلى تقليص المعروض العالمي، ما يمنح روسيا ورقة ضغط تمكنها من تقليص حجم هذه التخفيضات تدريجياً".
وتشير بونوماريفا إلى أن "موسكو تسير نحو فك الارتباط بالمؤشرات الغربية من خلال تطوير بنيتها التحتية المالية، مثل توسيع نطاق التداول في بورصة سانت بطرسبرغ وإنشاء الوكالة الوطنية لتسعير النفط لاستحداث معايير سعرية محلية"، لكنها تؤكد أن السعر وحده ليس العامل الحاسم بالنسبة للمشترين الكبار كالصين والهند، بل إن استقرار الإمدادات هو البند الأكثر أهمية في الوقت الراهن، وهو تحدٍ يرتبط بقدرة الأسطول الروسي على تجاوز العقوبات اللوجستية والمالية.
على صعيد المالية العامة الروسية، ترسم بيانات الخبيرة صورة متناقضة، وتقول "صحيح أن إعادة توجيه صادرات النفط شرقاً حالت دون انهيار الإيرادات النفطية تماماً، إلا أن المؤشرات الاقتصادية الكلية لا تزال تعاني من تآكل مستمر. فقد انخفض فائض الميزان التجاري إلى 116 مليار دولار في 2025 مقارنة بـ132 ملياراً في عام 2024، ما يعمّق الضغط على ميزان العمليات الجارية". ووفقاً للخبيرة، فإن الإيرادات النفطية والغازية في السنوات الأخيرة تنخفض، لكنها لا تزال تشكل ما بين 12 و15% من إجمالي إيرادات الموازنة. ويعوض النمو في القطاع غير النفطي والغازي ذلك جزئياً، إلا أن الوتيرة المتسارعة لنمو النفقات تؤدي إلى اتساع عجز الموازنة. ومع ذلك، من الواضح أن إعادة توجيه النفط نحو الشرق دعمت الإيرادات، رغم التخفيضات وحساسية هذه الإيرادات تجاه ظروف السوق والإجراءات العقابية التي تشكل هذه الظروف.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام في تحليل بونوماريفا حول ما إذا كانت الأحداث في الشرق الأوسط ستمنح روسيا فرصة الاستحواذ على حصة أكبر في السوق الصيني. والإجابة، وفق الخبيرة، ليست حاسمة لصالح موسكو على المدى البعيد، وهي تقول: "تستورد الصين حالياً نحو 20% من احتياجاتها النفطية من روسيا، بينما يهيمن نفط الشرق الأوسط، بما فيه إيران، على ما يقرب من نصف واردات بكين". وتؤكد بونوماريفا أن "بكين تنتهج استراتيجية أمن طاقة قائمة على التنويع وتكديس الاحتياطيات الاستراتيجية التي تجاوزت مليار برميل مع مطلع 2026. وعليه، فإن أي توسع روسي كبير في السوق الصيني سيكون مؤقتاً ومرتبطاً بفترة الاضطراب الحالية. فمع عودة نفط دول الخليج إلى السوق، ستعود الصين بشكل طبيعي إلى هيكل الاستيراد الراهن تقريباً، وهو ما يتوافق مع المهام الاستراتيجية للبلاد".
في النهاية، يوضح التحليل أن تصريح لافروف يعكس رغبة روسيا في أن تكون هي التي تسد العجز في أسواق الطاقة الآسيوية، لكن هذه الرغبة تصطدم بواقع بكين ونيودلهي القائم على الحسابات العملية. دول الشرق تريد النفط الروسي، لكن وفق شروطها الخاصة: تريد سعراً يأخذ في الاعتبار التكاليف والمخاطر الإضافية التي تتحملها شركاتها في النقل والتأمين، كما تريد معادلة تضمن ألا تضع كل احتياجاتها من الطاقة في يد جهة واحدة، مهما كانت قريبة سياسياً. وبينما تحاول روسيا بناء نظامها الخاص لتحديد الأسعار بعيداً عن المعايير الغربية، يظل السؤال عن حجم حصتها في السوق الآسيوية مرهوناً في نهاية المطاف بأرقام الجدوى والعرض والطلب، وليس فقط بقوة العلاقات أو بدبلوماسية التصريحات.
