كيف كسر حكيم زياش الصورة النمطية؟
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
إذا كنا ننظر بعين الرضا والإعجاب لما تقوم به شخصيات غربية من أجل نصرة القضية الفلسطينية على غرار المدرب الإسباني الداهية بيب غوارديولا والإيطالية الشجاعة فرانشيسكا ألبانيز، وصمودهما المبهر في وجه آلة إعلامية عتيدة تعودت على اكتساح الفضاء والهواء وترويج الأسطوانة الصهيونية المشروخة؛ فقد صار بإمكان المواطن العربي أيضًا أن يصنف اللاعب المغربي حكيم زياش ضمن الخانة نفسها، بل يفتخر بمواقفه البطولية ضد الكيان الصهيوني، ضاربًا بعرض الحائط كل الحسابات الضيقة التي تعوّدنا أن تحكم علاقة لاعبي كرة القدم بالقضايا الوطنية. منذ بزوغ فجر "طوفان الأقصى" وما أنجزه من "اختراق" غير مسبوق في الشارع الغربي معيدًا السردية الفلسطينية الحقيقية الأصلية للواجهة؛ ظل مجال الرياضة وبالأخص كرة القدم، وهي الأكثر شعبية بين باقي الأصناف الأخرى، محور شد وجذب، حتى إن أسماء عربية مرموقة فقدت رصيدها من الاحترام والتقدير لدى جمهورها بعد تقاعسها عن مواكبة الأحداث ووضع النقط على الحروف إبان المحرقة الصهيونية في قطاع غزة الصامد؛ وإحقاقًا للحق هناك شخصيات عربية رفعت الصوت عاليًا، بل دفعت الثمن غاليًا على غرار الجزائري يوسف عطال وما عاشه في فرنسا من تضييق بلغ حد الاعتقال حين كان لاعبًا في صفوف نادي "نيس"، بسبب منشور مؤيّد لفلسطين على إحدى صفحاته؛ وأيضًا واجه الهولندي من أصول مغربية أنور الغازي موقفًا معقدًا مع ناديه "ماينز" الألماني أدى إلى فسخ عقده وحرمانه من أبسط حقوقه حينها قبل أن يكسب المعركة القضائية لاحقًا ويتبرع بالمقابل المادي لأهل غزة. من دون إغفال الهجوم اللاذع الذي تعرض له المغربي نصير مزراوي حين كان لاعبًا في بايرن ميونخ قبل أن يغادر نحو العملاق الإنكليزي مانشستر يونايتد. ولنصير مواقف مميزة تجاه القضية الفلسطينية منذ أن كان لاعبًا يافعًا في أياكس الهولندي المعروف بصلته الوطيدة مع الكيان الغاصب، ولطالما عاين العلم الإسرائيلي بين المدرجات، سواء في مباريات الدوري المحلي أو مشاركاته الأوروبية، من دون إغفال الحقائق التاريخية التي تصب في هذا الاتجاه، على غرار أنه قبل الحرب العالمية الثانية كان يعيش أكثر من 80 ألف يهودي في أمستردام والأغلبية تشجع الأياكس؛ بالإضافة إلى أنه وإلى غاية سنة 1990 ظل هذا الفريق يستقبل مبارياته على أرضية ملعب "ديمير" الموجود في شرق المدينة، التي تعتبر المعقل الرئيسي لليهود هناك، وترأس "الأياكس" العديد منهم، بل حمل قميصه كذلك لاعبون يهود كثر. أسماء عربية مرموقة فقدت رصيدها من الاحترام بعد تقاعسها عن مواكبة الأحداث في قطاع غزة، بينما واجه آخرون كأنور الغازي ويوسف عطال تضييقاً واعتقالاً وفسخ عقود بسبب مواقفهم الإنسانية أيضًا، لا يمكن تجاهل مواقف التونسي عيسى العيدوني حين كان لاعبًا في فريق يونيون برلين، والثلاثي العربي في آينتراخت فرانكفورت المصري عمر مرموش والجزائري فارس شعيبي والتونسي إلياس السخيري؛ وهناك نموذج آخر مغيب في اللاعب العربي، ويتعلق الأمر بالتونسي الأصل أنيس بن حتيرة، والذي تعرض لمضايقات واتهامات بمجرد تبرعه لأهالي غزة بالمياه ومشاريع تحليتها لتنقلب حياته رأساً على عقب منذ تلك اللحظة. كل هذه المواقف جديرة بالثناء والتقدير، ولا سيما أن هؤلاء ضحوا وغامروا بمستقبلهم المهني من أجل كلمة الحق ورفضوا الخنوع والانصياع مهما عظمت العواقب؛ لكن ما نراه اليوم من حكيم زياش المغربي، الذي ولد ونشأ في هولندا، وعانى ويلات اليتم في سن مبكرة بعد رحيل والده، وكان قاب قوسين أو أدنى من الانحراف لولا شخصية يتقاسم معها الجذور نفسها، أي المؤطر المغربي عزيز ذو الفقار، الذي سعى جاهدًا لاحتواء الفتى مؤمنًا بأنه يتوفر على موهبة استثنائية تستحق الرعاية والاهتمام؛ وظل محيطًا به حتى بدأ يشق طريقه نحو التألق، وصارت يسراه الساحرة حديث الأراضي المنخفضة وبلاد الطواحين، التي كانت تواقة إلى الاستفادة منه؛ إلا أن لحكيم رأيًا آخر حين انحاز إلى صوت القلب كما يفعل دائمًا ليختار تمثيل أسود الأطلس وبلاد الأجداد، مثيرًا حينها حنق الإعلام الهولندي الرافض لصدمة فقدان موهبة فذة من هذا الحجم. منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول تعرف الجمهور العربي على الوجه الآخر الإنساني والبطولي لنجم "تشلسي" السابق الذي كان من الأوائل الرافضين للمجازر الصهيونية، ولم يتوانَ في استخدام لغة مباشرة وصريحة بعيدًا عن الكلام المعلب، مما أجج غضب الصهاينة ضده، ولعل في الحرب الكلامية الدائرة رحاها هذه الأيام بينه وبين الوزير المتطرف إيتمار بن غفير خير دليل على ما تثيره تغريدات ومواقف حكيم في نفوس المسؤولين في حكومة الاحتلال؛ حيث عبر النجم المغربي عن استنكاره لقرار الكنيست القاضي بتشريع إعدام الأسرى الفلسطينيين، ليرد عليه المسؤول المجرم بالتهديد بأنه لن يفلت من العقاب رفقة كل "معادي السامية"؛ ليصعقه حكيم برد أقوى ومزلزل مفاده: "نحن لا نخشى الصهيونية". التفاعل المستمر لزياش مع كل الأحداث في فلسطين والحرص على تصدير رسائل قوية وحادة جعلته محور النقاش في الإعلام العربي والأجنبي؛ إذ ليس من المعتاد رؤية شخصية عمومية تحظى بهذه المتابعة الجماهيرية، وتنتمي إلى مجال شئنا أم أبينا يندرج ضمن خانة "القوة الناعمة" التي تعمل الدول اليوم على الاستثمار فيها بشتى الطرق؛ لكنها في الوقت نفسه ما تزال تدعي وضع شعار عريض وفضفاض أثبتت الوقائع، وتحديدًا الحرب الروسية الأوكرانية، أنه كاذب وموجّه حصرًا للقضايا الإسلامية العربية، من خلال ترويج ما يعرف "بعدم خلط السياسة بالرياضة"؛ واليوم، وبفضل حكيم زياش وحتى بيب غوارديولا، صار لهموم هذه الأمة أصوات تغرد باسمها متحدية الأخطبوط المتشبع الذي كان سرعان ما يلتهم قضايانا ويعمل على امتصاص كل من يجاهر بها. المؤكد أن حكيم زياش رفع السقف عاليًا وتحول إلى أيقونة محبوبة لدى الجمهور العربي الذي يقدر من يحس بآلامه وينتصر لأنينه؛ مما يجعل "المشاهير العرب" اليوم ملزمين بالخروج من البرج العاجي الذي يقطنونه تحت ذرائع واهية، لأن الاصطفاف في خندق الأمة وقضاياها ليس ترفًا، وتحديدًا في هذا المنعطف الحاسم الذي نعيشه اليوم. كل التحية والتقدير لزياش وكل الأصوات الحرة الصادحة بالحق والحقيقة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية