عربي
سجّلت أسعار الأرز في آسيا قفزة حادة هي الأكبر منذ أكثر من عامين، في مؤشر مبكر على انتقال تداعيات الحرب في المنطقة من أسواق الطاقة إلى الغذاء، وسط تحذيرات متزايدة من أزمة إمدادات قد تضرب الدول النامية بشكل خاص. وارتفع سعر الأرز الأبيض التايلاندي بنسبة كسر 5%، وهو معيار آسيوي رئيسي، بنحو 10% ليصل إلى 423 دولاراً للطن خلال الأسبوع المنتهي في 8 إبريل/نيسان الجاري، مسجلاً أكبر زيادة منذ أغسطس/آب 2023، في وقت كانت الأسعار فيه قد اقتربت من أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقد، وفق "بلومبيرغ".
وقال محلل السلع الأول في بنك "رابوبنك" في سنغافورة، أوسكار تجاكرا، إن بعض المزارعين في تايلاند أوقفوا زراعة الأرز لأن أرباحهم لم تعد كافية لتغطية التكاليف المتضخمة. وأضاف تجاكرا، أن الوضع الصعب تفاقم بسبب موسم جفاف طويل أدى إلى انخفاض كبير في الإنتاج، ما زاد من ضيق الإمدادات للمحصول الحالي. وأوضح أن ارتفاع قيمة العملة التايلاندية، إلى جانب زيادة تكاليف الشحن والتأمين نتيجة الحرب في المنطقة، ساهم في ارتفاع أسعار الأرز.
وتعد تايلاند ثالث أكبر مصدر للأرز عالمياً، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأميركية. ويقوم المزارعون في البلاد، إلى جانب نظرائهم في المنطقة، حالياً بجني محصول الموسم غير الرئيسي والاستعداد لزراعة المحصول الرئيسي الذي يبدأ في وقت مبكر من مايو/أيار. وفي وقت سابق، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أنه قد يكون بصدد إنهاء الحرب مع إيران، ما يمنح بعض الارتياح للأسواق الأوسع، إلا أن عودة تدفقات الطاقة إلى طبيعتها عبر مضيق هرمز ستستغرق وقتاً. وقد يعني ذلك بقاء تكاليف الشحن والتأمين مرتفعة لفترة أطول، ما قد يؤثر سلباً على إنتاج الأرز.
نقص الأسمدة يهدد الدول النامية
وفي السياق، قالت رئيسة وكالة التجارة التابعة للأمم المتحدة، باميلا كوك هاملتون إن نقص الأسمدة نتيجة الحرب يمثل مصدر قلق ملح للدول النامية، مشيرة إلى أن المكاسب الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز في ما يخص منتجي العالم النامي ستكون على الأرجح قصيرة الأجل. وقالت هاملتون، وهي المديرة التنفيذية للمركز الدولي للتجارة إن "المشكلة الأكثر إلحاحاً هي الأسمدة، لأنها تؤثر مباشرة على الأمن الغذائي، والأمن الغذائي هو دائماً أساس الاستقرار"، مضيفة أن النفط والغاز يمكن تأمينهما من مصادر أخرى، لذا ليس الوضع خطيراً إلى هذا الحد رغم أن ارتفاع الأسعار يظل مشكلة. وأوضحت هاملتون، التي تركز وكالتها على تعزيز التجارة في الدول النامية، أن نحو ثلث إنتاج اليوريا العالمي يمر عادة عبر مضيق هرمز، الذي تفرض عليه إيران والولايات المتحدة حصاراً.
وقالت في مقابلة مع رويترز، أمس الثلاثاء: "هناك مشكلات كبيرة تتعلق بتوافر الأسمدة، كما أن هناك جدولاً زمنياً للزراعة لضمان توفر الكميات اللازمة للمحصول القادم، وهو ما يتم تفويته حالياً". وأعلنت الأمم المتحدة، أول أمس الاثنين، أن هناك جهوداً دبلوماسية جارية بشأن مقترح تقوده المنظمة لضمان مرور شحنات الأسمدة بأمان عبر مضيق هرمز. وأشارت هاملتون إلى أن الاعتماد على الأسمدة النيتروجينية القادمة من منتجي الخليج هو الأعلى في عدد من الدول النامية في آسيا وأفريقيا، مثل كينيا وأوغندا وجنوب أفريقيا وتايلاند وسريلانكا. وأوضحت أن نقص الأسمدة يؤدي عادة إلى انخفاض استخدامها وتراجع الإنتاجية، بدلاً من تغيير مواعيد الحصاد، ويكون هذا التأثير أكثر وضوحاً في مناطق مثل أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا، حيث يعتمد الإنتاج بشكل أكبر على الأمطار، وتكون فترات الزراعة أقصر، ويكون المزارعون أكثر حساسية لتكاليف المدخلات.
بدائل محدودة وإمدادات غير كافية
ولفتت إلى أن الموردين البديلين، خاصة في شمال أفريقيا، يمكن أن يساعدوا على سد الفجوة، حيث تمتلك مصر إمكانات تصديرية غير مستغلة بقيمة 1.6 مليار دولار، فيما تملك الجزائر إمكانات إضافية بنحو 1.3 مليار دولار. كما أوضحت أن دولاً مثل نيجيريا وكازاخستان والبرازيل وأنغولا وليبيا قد تستفيد من ارتفاع عائدات النفط، لكن هذه المكاسب ستكون محدودة لأن جميعها، باستثناء كازاخستان، لا تزال مستوردة صافية للمنتجات المكررة. وأضافت أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي قد يفيد دولاً مثل الجزائر وماليزيا وتركمانستان وأذربيجان، إلا أن القدرة على زيادة الإمدادات ستظل محدودة على المدى القصير.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الغذاء، إذ حذر صندوق النقد الدولي من أن الحرب أوقفت زخم الاقتصاد العالمي، مع خفض توقعات النمو ورفع توقعات التضخم. وقال الصندوق في تقرير له عن آفاق الاقتصاد العالمي، أمس الثلاثاء، إن الاقتصاد العالمي كان في طريقه لتحقيق أداء قوي قبل الحرب، مدعوماً بانتعاش الاستثمارات وتراجع التوترات التجارية، إلا أن الصراع في الشرق الأوسط قلب هذه التوقعات.
وخفض صندوق النقد توقعاته للنمو العالمي إلى 3.1% في 2026، مقارنة بـ3.4% في العام السابق، في حين رفع توقعاته للتضخم إلى 4.4%، بزيادة 0.6 نقطة مئوية عن تقديراته السابقة. وحذر كبير الاقتصاديين في الصندوق، بيير أوليفييه غورينشاس، في تدوينة، من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى أزمة طاقة كبرى، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز وتعطل منشآت حيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
ثلاثة سيناريوهات للحرب
وعرض صندوق النقد الدولي، في تقريره، ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الحرب:
السيناريو الأساسي
يفترض أن يكون الصراع قصير الأمد، وأن تتراجع تأثيراته بحلول منتصف 2026، وفي هذه الحالة سينخفض النمو العالمي من 3.4% العام الماضي إلى 3.1% في 2026.
السيناريو السلبي
يفترض استمرار الحرب لفترة أطول وارتفاع أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل هذا العام، قبل أن تتراجع إلى 75 دولاراً في 2027، وفي هذه الحالة ينخفض النمو العالمي إلى 2.5%، بينما يرتفع التضخم إلى 5.4%.
السيناريو الشديد
يفترض حرباً طويلة ومكثفة مع بقاء أسعار النفط فوق 110 دولارات حتى 2027، وفي هذه الحالة قد يتراجع النمو العالمي إلى نحو 2% فقط، وهو مستوى يعتبر قريباً من الركود العالمي. وأشار الصندوق إلى أن هذا المستوى لم يسجل إلا أربع مرات منذ 1980، آخرها خلال جائحة كورونا في 2020 والأزمة المالية العالمية في 2008.
وفي السيناريو الأسوأ، قد يتجاوز التضخم العالمي 6%، ما سيدفع البنوك المركزية حول العالم إلى رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر لمنع ترسخ موجة التضخم. وقال كبير الاقتصاديين في الصندوق إن العالم يقترب تدريجياً من السيناريو السلبي، مضيفاً: "كل يوم يمر مع استمرار اضطراب أسواق الطاقة يدفعنا أكثر نحو هذا السيناريو".

أخبار ذات صلة.
فاركه: بذلنا قصارى جهدنا أمام تشيلسي
الشرق الأوسط
منذ 6 دقائق