عربي
لم تنج أي مؤسسة تعليمية في السودان من تداعيات الحرب، وطاول القصف بالطيران والمسيرات الكثير منها، وتحولت مدارس وجامعات الولايات القليلة التي لم تشملها الحرب إلى مراكز إيواء للنازحين.
تفاقمت الأزمة التعليمية في السودان بصورة غير مسبوقة نتيجة الحرب الدائرة منذ 3 سنوات، ما دفع الأمم المتحدة إلى وصفها بأنها "على وشك أن تكون أسوأ أزمة تعليمية في العالم"، فيما قالت منظمة "أنقذوا الطفولة" غير الحكومية إن "ملايين الأطفال حرموا من التعليم قرابة 500 يوم، في واحدة من أطول حالات إغلاق المدارس عالمياً".
ولحقت بالعملية التعليمية السودانية أضرار بالغة وخسائر مدمرة، تمثلت في حرمان نحو 19 مليون طفل من التعليم الأساسي، فضلاً عن 900 ألف آخرين لم يتمكنوا منذ بدء الحرب من الجلوس لامتحان الشهادة الثانوية، كما تعرض نحو 10 آلاف مدرسة للتدمير أو التخريب أو سرقة محتوياتها، وبعضها جرى تحويله إلى ثكنات عسكرية، ومعتقلات، ومخازن أسلحة، أو مراكز لإيواء النازحين.
ولم تنج جامعات السودان من الحرب، إذ استولت الأطراف المتقاتلة على مقارها، وخسرت معاملها ومكتباتها وسجلاتها في القصف الممنهج والنهب المنظم للمحتويات والأجهزة. وتحول آلاف المدرسين والأكاديميين إلى مهن هامشية بديلة نتيجة عدم انتظام دفع الأجور من أجل تأمين احتياجاتهم الأساسية. واستغلت الأطراف المُتحاربة الأوضاع المُرتبكة للعملية التعليمية، وأغرت آلافاً من الطلاب بالتحول إلى جنود، زجت بهم في محرقة الحرب الأهلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ورغم عودة التعليم ببطء في بعض الولايات والمناطق، إلا أن ثماني ولايات من إجمالي 18 في السودان أُغلقت فيها المدارس نهائياً في أوقات متفاوتة خلال الحرب، من بينها ولايات إقليم دارفور الخمس، وولايتان في إقليم كردفان، وتعمل المدارس جزئياً في ولاية واحدة بإقليم كردفان الذي يتكون من ثلاث ولايات.
من إقليم دارفور، يقول المدرس إبراهيم يعقوب لـ"العربي الجديد": "توقف عمل المدارس والجامعات في الإقليم منذ اليوم الأول للحرب، وتوقف معها صرف الأجور من قبل الحكومة المركزية في بورتسودان، وحُرم آلاف الطلاب في مراحل التعليم الأساسي والعالي من مواصلة التعليم بسبب التعقيدات الأمنية التي فرضها كل من طرفي الحرب في مناطق سيطرته. حالياً، تسيطر قوات الدعم السريع على الإقليم، ولا حديث من أي جهة حول إعادة فتح المدارس المغلقة، وبسبب الإجراءات الأمنية، لا يتمكن الطلاب من الذهاب إلى المدارس والجامعات التي فتحت أبوابها أخيراً في مناطق سيطرة الجيش السوداني، لأنهم سيكونون معرضين للاعتقال بحجة أنهم قادمون من مناطق التمرد".
ويضيف يعقوب: "على الجانب الآخر، لا يسمح الجيش للمواطنين بالتنقل من دارفور إلى مناطق سيطرته، وهو يُطلق عليهم الحواضن الاجتماعية للدعم السريع، وهم بالتالي ممنوعون من الالتحاق بالمدارس والجامعات في الولايات الشرقية. التلاميذ في مناطق سيطرة الجيش جلسوا لامتحان الشهادة الثانوية في 13 إبريل/نيسان الجاري، بينما هناك أكثر من 280 ألف طالب وطالبة في إقليم دارفور وأجزاء من إقليم كردفان لم يتمكنوا من الجلوس لهذه الامتحانات لأنهم في مناطق سيطرة الدعم السريع".
ومن ولاية غرب كردفان، يقول المدرس حامد الشيخ لـ"العربي الجديد": "لم تصرف رواتبنا الشهرية منذ بدء الحرب، وتوقفت المدارس، ويعمل الكثير من التلاميذ في مهن هامشية، ومنهم من تجند مقاتلاً في الحرب. تعرضت المدارس لدمار بالغ، وأصبحت غير صالحة للتدريس بوضعها الحالي، ولا بد من ترميمها، وهذا أمر مُستبعد في الوقت الحالي".
وبحسب بيان لوزارة التربية والتعليم، فعندما اندلعت الحرب، كان نحو 570 ألف طالب وطالبة يستعدون للجلوس لامتحان الشهادة الثانوية، وبعد 19 شهراً على تأجيل الامتحانات، جلس 350 ألف طالب وطالبة منهم في ديسمبر/كانون الأول 2024 للامتحان، تحت مسمى الشهادة الثانوية المؤجلة، وفي يونيو/حزيران 2025، جلس نحو 209 آلاف طالب وطالبة للامتحان، بينما جلس نحو 550 ألف طالب وطالبة لامتحانات الثانوية في 13 إبريل الجاري.
ويُقدر مصدر في وزارة التربية والتعليم عدد من فقدوا فرصتهم في الجلوس لامتحان الثانوية بنحو 900 ألف طالب وطالبة. وقال المصدر لـ"العربي الجديد"، إن "الحرب أجبرت الكثير من هؤلاء الطلاب على النزوح أو اللجوء، وبعضهم التحق مجنداً بأطراف الحرب".
بدوره، يقول يس سليمان، وهو موجه تربوي سابق لـ"العربي الجديد": "جلوس الطلاب لامتحان الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة الجيش وحرمان من هم في مناطق سيطرة الدعم السريع يؤكدان حالة الانهيار التي وصل إليها التعليم في ظل الحرب، والمصاعب التي يواجهها الطلاب الذين لا ذنب لهم في كل ما يحدث".
في إقليم دارفور، توقفت خمس جامعات حكومية عن العمل، وخسر ما يزيد عن 50 ألف طالب وطالبة فرصتهم في مواصلة التعليم العالي. ويقول الأكاديمي أحمد عبد الله لـ"العربي الجديد": "وجد الطلاب أنفسهم ضحية للحرب التي قسمت البلاد بين مناطق نفوذ للجيش وأخرى للدعم السريع، وأغلق كل طرف مناطق سيطرته، وأصبح يعامل من يريدون التنقل بكثير من الريبة، وفي بعض الأوقات يزج بهم في السجون بذرائع مختلفة، لذا توقف الطلاب عن الانتقال بين المناطق، ما حرمهم من مواصلة التعليم".
ويضيف عبد الله: "المؤسف أنهم لم يخسروا دراستهم فحسب، بل أصبحوا وقوداً للحرب بعد تحول بعضهم من طلاب جامعات إلى مقاتلين، كما أن معظم الجامعات تحولت إلى ثكنات عسكرية، مثل ما حدث لجامعة الفاشر وجامعة نيالا، وإعادة تأهيل هذه الجامعات يحتاج إلى أموال تفوق قدرات إدارتها في الوقت الراهن، حتى لو توقفت الحرب".
يُقدر عدد المدارس في ولاية الخرطوم، وفقاً لإحصائيات وزارة التربية والتعليم، بنحو ثلاثة آلاف مدرسة، تتوزع ما بين الحكومية والخاصة، والكثير منها تعرض لدمار كبير، وسرقت محتوياته، وتعرض للقصف بالطيران والمسيرات. ويقول مسؤول في حكومة الولاية لـ"العربي الجديد": "لم تجرَ إعادة تأهيل أو صيانة الكثير من المدارس المتضررة، ومعظم المدارس التي تعمل حالياً توجد في محلية كرري، وهي واحدة من سبع محليات تتكون منها ولاية الخرطوم".
وأضاف المسؤول الذي طلب عدم كشف هويته: "لا توجد إمكانات مالية لتأهيل المدارس في المناطق التي كانت تحت سيطرة الدعم السريع لعامين، والسكان لم يعودوا إليها لعدم توفر الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء ومياه الشرب، وعدم إزالة الأنقاض ومخلفات الحرب، ما دفع كثيراً من أولياء الأمور الذين لديهم استطاعة مالية إلى إلحاق أبنائهم بمدارس مناطق أخرى، وتحول عدد من طلاب المدارس الحكومية إلى المدارس الخاصة".
وتتطابق الحال في ولاية سنار (جنوب) التي خضعت أجزاء منها، بما فيها عاصمة الولاية سنجة، لسيطرة قوات الدعم السريع لفترة قبل تحريرها، وكذلك في ولاية النيل الأزرق، التي ما زالت "الدعم السريع" تحتل أجزاء واسعة منها.
يقول مسؤول في وزارة التربية والتعليم بولاية سنار لـ"العربي الجديد": "إصلاح الأضرار التي لحقت بالمدارس يفوق مقدرة الولاية، ومعظم التلاميذ تركوا مقاعد الدراسة وانخرطوا في سوق العمل الهامشي من أجل مساعدة أسرهم على تجاوز الظروف المعيشية الصعبة في ظل الحرب. حتى إن المدرسين بمعظمهم تخلوا عن الوظيفة لأن الرواتب، رغم تأخرها، أصبحت هزيلة بسبب انهيار سعر صرف الجنيه السوداني، وبالنسبة للكتاب المدرسي، فالدولة لم تطبع الكتب منذ بدء الحرب".
ويصف المتحدث باسم لجنة المعلمين في السودان (نقابة) سامي الباقر ما حدث لقطاع التعليم خلال الحرب بأنه "كارثة حقيقية"، ويقول لـ"العربي الجديد": "نحو نصف عدد المدارس في السودان تعرض للتدمير، والكثير من التلاميذ هجر المدارس، حتى من يعيشون في مناطق سيطرة الجيش، وذلك نتيجة مباشرة للظروف المعيشية القاسية التي أجبرت أسرهم على التوقف عن إرسالهم إلى المدارس، والتي أصبحت تحمّل أولياء الأمور كامل التكلفة المالية للتشغيل بحجة أن الدولة أصبحت لا تنفق على التعليم".
ويوضح الباقر أن "المدرس الذي وصل إلى الدرجة الأولى، وهي الأعلى، يساوي راتبه الشهري 220 ألف جنيه، ما يعني أقل من 60 دولاراً في الشهر، ورواتب المدرسين في مناطق سيطرة الجيش متأخرة منذ نحو 14 شهراً، ما دفع الكثير منهم إلى ترك المهنة".

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة