عربي
تابعتُ مسلسلاً مصرياً "عرض وطلب"، ولأن اسمه هذا لافت، تابعتُ الحلقة الأولى لأنسحب مع الحلقات التالية، لأن قضيته الشائكة التبرع بالأعضاء، وحاجة ابنة شابة لتوفير كلية بديلة للأم الفقيرة التي تحتاج إلى زرع كلية في أقرب وقت، بعد تدهور وضعها الصحي. وقد وقعت الابنة تحت ضغط الحاجة، ووجع الضمير، وحكم الشرع في قضية شراء عضو من جسم إنسان من أجل إنقاذ إنسان آخر. وفي النهاية، وأمام حب الابنة أمها، أقنعت نفسها بأن عملية شراء كلية وزرعها ما هي إلا تبادل مصالح؛ فهي تنقذ حياة إنسان، وفي الوقت نفسه، تمنح إنساناً آخر المال الذي قد ينقذه من السجن مثلاً.
تظل هذه القضية شائكة فعليّاً، وتدور حولها محاذير مجتمعية ودينية، وإنْ كانت مصنّفة ضمن العمليات التي تُجرى في الخفاء، بسبب انتشار أمراض الكلى بشكل كبير في البلاد ذات المستوى الاقتصادي المتدنّي، وفي غزّة خصوصاً. وبسبب تلوّث ماء الشرب واستمرار المواطنين في تناول المعلبات التي تحتوي على نسبة كبيرة من المواد الحافظة، فقد سجلت أمراض الكلى زيادة كبيرة، حسب إحصائيات معلنة من الدوائر الصحية. ومع بداية حرب الإبادة، خرج غير قليلين من مرضى الكلى إلى دول مجاورة أو بعيدة، منها مصر، لاستكمال عملية غسيل الكلى التي يحتاج المريض إلى ثلاث جلسات منها على الأقل أسبوعيّاً، وهذا غير متوفر في القطاع الذي ضُربت البنية التحتية الصحية فيه، ولم تعد هناك مستشفيات قادرة على توفير عدد الجلسات الأسبوعية المقرّرة لكل مريض. ولذلك جرى الإعلان أخيراً عن وفاة أكثر من 40% من المرضى الذين كانوا على قائمة الانتظار للخروج من القطاع من أجل الحصول على جلسات غسيل كلوي مناسبة.
ومع متابعتي أحداث المسلسل، جاءني صوت فتاة صغيرة لم تكمل عامها العشرين عبر الهاتف في القاهرة، أخبرتني بأنها خرجت مع والدها مع بداية الحرب على غزّة لتكون مرافقة له، لكي يستكمل عملية غسيل الكلى، وأملاً في الحصول على علاج أفضل وفرصة حياة جديدة بعد تفاقم وضعه الصحي. وقد جاءني صوتُها باكياً بعد أن شرحت لي باقتضاب تدهور الوضع الصحي لوالدها، ومعاناته من مضاعفات صحّية، تدل على أنه أصبح في مراحل خطرة من القصور الكلوي الذي سوف يؤثر في أداء القلب، وأن الأطباء ينصحون بضرورة إيجاد متبرّع في أسرع وقت لزرع كلى في جسمه.
بدا الحوار بيني وبين الابنة أنه متأثر فعليّاً بالمسلسلات والأفلام التي نشاهدها، وهي البحث عن شخصٍ يوافق على بيع كليته، وعلى اعتبار أن الأب قادر على شراء كلية، وهو الذي ترك باقي أفراد عائلته في خيمة بالية في مواصي خانيونس، وهم يعانون الفقر والحاجة، وبالكاد يتدبرون قوت يومهم. وقد بدأ حوارنا يتجه نحو الأمنيات المستحيلة، وهي تخبرني بأن أقاربها وأبناء عمومتها يحاولون جمع مبلغ لشراء كلية لوالدها.
انتهت المكالمة الهاتفية، وأنا أعرف تماماً أن ما دار فيها ضرب من المستحيل، أمام طرحي على الابنة الصغيرة المكلومة خيار خروج أحد أقاربها للتبرّع بكليته للأب المريض. وقد أخبرتني بأن الأطباء يرفضون تماماً فكرة تبرّعها بكليتها لوالدها، حتى لو كان هذا ممكناً من الناحية الطبية، بسبب صغر سنها؛ فالعمر لا يزال طويلاً أمامها، وربما تتعرّض لمرضٍ ما يجعل حياتها مهدّدة لو أصبحت بكلية واحدة.
ربطت سريعاً بين الفتاة الغزّية التي هاتفتني بالابنة الشابة في مسلسل "عرض وطلب"، التي تحوّلت، في نظر القانون، إلى مجرمة بتهمة الاتجار بالأعضاء، والحقيقة أنها كانت ضحية الظروف، ولكن الجريمة لا تُبرَّر، وجريمة الاحتلال بحق المرضى الفلسطينيين بعدم توفير العلاج لهم داخل القطاع وخارجه لا تُبرَّر أيضاً.

أخبار ذات صلة.
فاركه: بذلنا قصارى جهدنا أمام تشيلسي
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق