تونس... مخاوف من رفع دعم الخبز بسبب الحرب
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
أثارت خطوة تغيير تركيبة الخبز جدلاً واسعاً بين التونسيين، وخشية من تغير السياسات الاجتماعية، وسط مخاوف من أن يكون ذلك تمهيداً غير معلن لإعادة هيكلة منظومة الدعم تحت غطاء دوافع صحية. ويأتي ذلك في ظل ارتدادات الحرب في المنطقة على الاقتصاد التونسي. ومؤخراً، بدأت أفران تونس في بيع الخبز المدعم المعزز بالألياف، بعد أن أعلنت السلطات خلال الشهر الحالي اعتماد تركيبة جديدة للخبز تقوم على الترفيع في نسبة استخراج الدقيق من 78% إلى 85%، بما يفضي إلى زيادة كمية الألياف التي يصطلح عليها محلياً بـ"النخالة" في الخبز. ويُفترض أن يؤدي هذا التعديل، وفق الرواية الرسمية، إلى تحسين عملية الهضم وتقليص نسبة الملح، إلى جانب الوقاية من بعض الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، مع المحافظة على الأسعار التي ستبقى دون تغيير. ويأتي تنفيذ مشروع تغيير تركيبة الخبز، الذي أُعلن عنه عام 2023، في سياق ضغوط مالية متزايدة على الدولة، مع ترجيحات بارتفاع الضغوط نتيجة الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط وكلفة الشحن في السوق العالمية. يحظى الخبز بمكانة خاصة في تونس؛ حيث لا يُعد فقط غذاءً أساسياً، بل عنصراً من عناصر الاستقرار الاجتماعي؛ إذ تنتج البلاد يومياً نحو 6.7 ملايين رغيف خبز، في حين يبلغ استهلاك الدقيق حوالي 6.5 ملايين قنطار سنوياً، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير عليه في الحياة اليومية. وتُباع أنواع الخبز المدعّم في تونس بأسعار رمزية تتراوح ما بين 190 و250 مليماً للوحدة (الدينار التونسي = 1000 مليم)، في إطار سياسة دعم تهدف إلى حماية القدرة الشرائية، خاصة للفئات الهشة. ورغم التبريرات الصحية، أثار القرار موجة من الجدل بين مؤيدين يرون فيه خطوة ضرورية لتحسين النمط الغذائي للتونسيين والحد من الاستهلاك المفرط للخبز الأبيض، وبين من يعتبر أن تغيير التركيبة قد يكون مدخلاً تدريجياً لإعادة توجيه الدعم أو تقليصه، خاصة في ظل الأزمة المالية. كما يخشى البعض من أن يؤدي تعميم خبز الألياف إلى تقليص الكميات المدعّمة أو تغيير طبيعة الاستهلاك، بما يمهّد لرفع الدعم لاحقاً وتطبيق سياسات صندوق النقد الدولي، الذي سبق أن أوصى بإعادة النظر في منظومة الدعم وتقليص عدد المنتفعين منها. وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي، العربي بن بوهالي، أن سلطة قيس سعيّد تطبّق جميع شروط صندوق النقد الدولي دون قبول قرض بقيمة 1.9 مليار دولار، كان يفترض أن تحصل عليه البلاد عام 2022. وقال بن بوهالي، في تدوينة على صفحته الرسمية على "فيسبوك"، إن الرئيس قيس سعيّد بصدد إلغاء الدعم عن الخبز وتطبيق كل ما طلبه صندوق النقد الدولي من إصلاحات اقتصادية، عبر ضبط إجمالي فاتورة الأجور بحيث لا تتجاوز 13% من الناتج المحلي الإجمالي، وإعادة هيكلة جميع الشركات المملوكة للدولة. ورجح الباحث الاقتصادي أن تعيد السلطة لاحقاً الخبز الخالي من الألياف إلى الأسواق بعد زيادة أسعاره، وتكون بذلك قد ألغت الدعم دون إثارة احتجاجات اجتماعية. في المقابل، تظهر بيانات قانون الموازنة للعام الحالي أن سلطات تونس تنوي مواصلة دعم الغذاء والكهرباء، في إطار خطة للحد من تداعيات الغلاء على القدرة الإنفاقية للأسر؛ حيث تظهر البيانات أن نفقات الدعم العام ستتجاوز 9.7 مليارات دينار (نحو 3.3 مليارات دولار)، من بينها أربعة مليارات دينار (1.3 مليار دولار) لدعم الغذاء. وتعتمد تونس نظاماً مزدوجاً للمخابز؛ حيث تلتزم المخابز المدعّمة بالأسعار الرسمية، بينما توفر المخابز غير المصنفة الخبز بأسعار حرة. غير أن هذه المنظومة تواجه انتقادات متكررة، من بينها التلاعب بالدقيق المدعّم عبر توجيهه لمنتجات غير مدعومة، وفارق الجودة بين الخبز المدعّم والحر، وسوء التوزيع وندرة الخبز في بعض الفترات. ويقول أمين مال غرفة المخابز المصنفة (التي تصنع الخبز المدعم)، الصادق الحبوبي، إن إضافة كميات من الألياف لدقيق "الفرينة" المخصص لصناعة الخبز المدعم كان مطلباً للمهنيين من أجل كبح التلاعب بالمواد الأولية والحد من نشاط شبكات المضاربة. وأكد الحبوبي، في تصريح سابق لـ"العربي الجديد"، أن غرفة الخبازين اقترحت على وزارة التجارة إيجاد صيغ تمكّن من التمييز بين الدقيق المدعم والدقيق غير المدعم الذي يستهلك في صناعة الخبز من قبل المخابز العصرية أو مصانع الحلويات. وأشار المتحدث إلى أن الخبز المعزز بالألياف من العادات الغذائية القديمة للتونسيين، حيث كانت الأسر تعتمد بشكل كامل على أصناف من خبز الشعير والسميد والنخالة، قبل أن تتحول هذه المادة إلى منتج شبه صناعي مع توسع شبكة المخابز منذ سبعينيات القرن الماضي. ومنذ أكثر من سنتين، شنت سلطات تونس حملات واسعة النطاق على المخابز التي يُشتبه بتلاعبها بالدقيق المدعم، انتهت بالزج برئيس غرفة المخابز محمد بوعنان في السجن وحُكم بـ 23 عاماً. ويرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي، أن السلطات التونسية تحاول إيجاد حلول لأزمة المالية العمومية، عبر التحكم في نفقات الدعم العامة التي تضخمت بفعل زيادة أسعار المحروقات. ورجح الشكندالي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن يساعد اعتماد خبز الألياف على توفير نحو ثلث كلفة دعم الخبز، على أن يتم توجيه هذه المبالغ نحو دعم المحروقات.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية