الانقسام اللبناني سياسي ــ أمني وليس طائفياً
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
إنّ من يستشير كوكب وسائل التواصل الاجتماعي لتكوين موقف من طبيعة الاحتقان الأهلي الحاصل في لبنان هذه الأيام، يخال أن دماء الحرب الأهلية الطائفية وصلت إلى الرُّكب. أما في العالم الحقيقي، فإنه لم يُسجل سقوط قتيل واحد في الانقسام الأهلي بعد مرور 42 يوماً على بدء أكبر موجة تهجير ديمغرافي يعرفها هذا البلد، من هوية طائفية طاغية على ما عداها، نزح فيها أكثر من مليون ومائة ألف مواطن لبناني شيعي من أماكن سكنهم في الجنوب والضاحية والبقاع إلى مناطق لبنانية من ألوان مذهبية أخرى مسيحية وسنّية ودرزية في ظرف حربي واقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني يسهّل سقوط القتلى على أتفه الأسباب، خلافاً على موقف للسيارات أو شتيمة لزعيم أو حماسة لفريق كرة قدم في بلد لا يندُر فيه السلاح. وللإمساك بخيط الانقسام الأهلي الحالي الناتج من موجة النزوح الشيعية الكبرى، وللحسم ما بين أنه طائفي في الدرجة الأولى، أو سياسي ــ أمني مثلما يحاول هذا التعليق إثباته، وجب التفكير في كيف سيكون الحال لو أن الحديث يتناول كارثة طبيعية ضربت الجنوب والضاحية والبقاع وهجّرت أهل هذه المناطق إلى بلدات ومدن وقرى مسيحية وسنية ودرزية، لا حرباً إسرائيلية، حزب الله هو من افتتحها؟ كيف سيكون التعاطي الشعبي مع ضحايا الكارثة الطبيعية لو كانت زلزالاً أو فيضاناً أو بركاناً، لا حرباً تستخدم فيها دولة إجرامية مثل إسرائيل كل أساليب التحريض الطائفي، بتوجيه نداءاتٍ إلى سكان المناطق المضيفة لعدم استقبال النازحين، وتقصف شققاً سكنية في تلك المناطق لاغتيال عناصر أو قيادات من حزب الله مختبئين فيها، فيُقتل مواطنون لا علاقة لهم بحزب الله، لا بل قد يكونون أعداءً له؟ سيكون الاستقبال أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، مع أن تعاطي الجماعات المضيفة مع المهجّرين ليست بالسوء الذي يُصوَّر نتيجة عدم معرفة أو عن خبث. وإلا فكيف يفسّر أن بلدة مثل دير الأحمر في البقاع الشمالي، وهي خزّان بشري لحزب القوات اللبنانية المعادي لحزب الله، يقيم فيها نحو عشرة آلاف مهجّر شيعي، من الطبيعي أن يكون معظمهم من أنصار حزب الله؟ ومن لا يعرف البلد من كثب، يجهل أن متموّلين كثراً من الطائفة الشيعية يرفضون تأجير مهجرين من أبناء الطائفة نفسها في منطقة الجناح (الراقية نوعاً ما) وأحياء بيروتية كثيرة ذات غالبية شيعية، خوفاً على حياتهم. كيف يكون الانقسام طائفياً في هذه الحالة ولا يكون ناتجاً من خوف من إسرائيل؟ وكيف يكون رفض شيعي تأجير شيعي آخر، طائفياً؟ والحقيقة أن معظم حالات تدقيق مواطنين من مختلف الطوائف بهوية لاجئين للتأكد من أن لا عناصر أو مسؤولين من حزب الله في صفوفهم، على بشاعة هذا السلوك والإهانة الذي يجاهر فيه، كذلك حال ظواهر الأمن الذاتي، إنما هي ناتجة من خشية من التعرّض للأذى الإسرائيلي، ومن كره لحزب الله وخياراته وسلاحه وولائه لإيران، لا من كره للشيعة. أما القول إن الانقسام السياسي نتيجة وقوف غالبية لبنانية ضد حزب الله وخياراته وولاءاته الخارجية وسلاحه، طائفي مذهبي، بما أن الحزب يختصر الطائفة في نفسه وأي معارضة له ستضع صاحبها في عداء مع الجماعة الشيعية برمتها، وستجعل منه طائفياً بالضرورة، فإنه كلام عبثي تماماً كعبثية حروب حزب الله الإسنادية. الحروب، مثل الأوبئة، تُخرج من البشر أسوأ ما عندهم لأنها تغرقهم في هوس البقاء على قيد الحياة، ولو على حساب كل الآخرين. هكذا هو حال اللبنانيين ككل الشعوب الأخرى، يخافون على حياتهم اليوم من إسرائيل دموية وقد تسبّبت مغامرات حزب الله بكل الخراب المنظور. لكن الكلام أعلاه لا يبيع، على عكس ما يتوفر على "إكس" و"فيسبوك" ورفاقهما في أجواء الذكرى الـ51 لحرب لبنان الأهلية التي مرت قبل يومين. هناك، على قاذورات التواصل الاجتماعي، تُقرَع الطبول لانطلاق حرب طائفية أهلية بنسخة 2026. أما في العالم الحقيقي، فأغلب الناس لا يريدون حرباً أهلية، ويتمنون ألا يُسمَح بعد اليوم لحزب أن يجرّ لبنان مجدداً إلى هذا الجحيم الذي لا يُرى قاعُه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية