عربي
قد يعدّ تقليدياً بيانُ وزارة الخارجية (والمغتربين) السورية، المعلن في الثامن من أبريل/ نيسان الجاري، إدانة الجمهورية العربية السورية "العدوان الإسرائيلي على جمهورية لبنان الشقيقة". وقد يُؤخَذ من باب المجاملات البروتوكولية التي بادرت إلى مثلها دولٌ عربيةٌ وأجنبيةٌ غير قليلة تضامنت مع لبنان، ووَصفت، كما فعلت دمشق، ذلك العدوان الذي أوقع عشرت القتلى والجرحى، انتهاكاً واضحاً للقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ولكن النظر إلى البيان السوري يحسُن أن يخرج عن هذا الاعتبار، بل من بالغ الضرورة أن تبادر الحكومة السورية إلى ما هو أبعد من تضامنٍ معلنٍ في بيان رسمي، ذلك أن العلاقات بين شعبي البلدين أعمقُ من أي وصف، فضلاً عن يديهيّة أن استحقاقات الجوار تفرض نوعاً خاصّاً من العلاقات. ولكن هذا الكلام سيكون في الهواء، وبلا معنى، من دون التفاتٍ إلى التعقيد العويص الذي طبع العلاقات اللبنانية السورية عقوداً، سيما في زمن حافظ الأسد الذي أخذته منظوراتُه الجيوسياسية في المنطقة إلى محاولته إلحاق لبنان في منظومة القرار السوري، أو قراره الشخصي على الأصح، ما أوجد حالة شاذّةً في شكل تلك العلاقات، وترك مواريث ضاغطةً في ذاكرة اللبنانيين، جعلتهم يقيمون على تحسّبٍ لا يطمئن تماماً إلى وصلاتٍ من حُسن النية، ومن الندّية المفترضة، فوقائع غير قليلة بقيت شواهد على وصايةًٍ سوريةٍ منظورةٍ على الدولة اللبنانية. وليس المقام هنا سردُ المسار الذي انعطفت فيه العلاقات إلى غير طوْر ولوْن ومزاج، في الأعوام الثلاثين الأخيرة، وفي البال إن الأسد الأب ظلّ يمتنع عن وجود سفارتين للبلدين في بيروت ودمشق، حتى إذا صار ما صار تالياً اضطرّ نجلُه الساقط إلى أن تكون السفارتان. ومع العهد الجديد الذي عبرت إليه سورية مع انتصار الثورة قبل أكثر من عام، وتوازى مع مستجدّاتٍ غير هيّنةٍ أحدثت تأثيراتها الواسعة في الداخل اللبناني، فلنا أن نطمح (أو نطمع) في صيغةٍ سوريةٍ لبنانيةٍ مغايرةٍ لسابقاتها التي كثيراً ما انطبعت بالتكاذُب والإنشائيات. وما عوين من مداولاتٍ واتصالاتٍ وزياراتٍ بين الجانبين في شهور ما بعد الانعطافة الكبرى في دمشق يمكّن من توقّع الصيغة المشتهاة على أكفأ ما يأمله السوريون واللبنانيون، وقد تحرّر اثناهما من أثقالٍ فادحةٍ كانت تطوّق كل اجتهاد يدفع باتجاه شفافيةٍ أكثر، وصراحةٍ أوضح، وتعاون أمثل.
لا يزاول الحكم الراهن في سورية نفعية ثأرية أو انتقامية عندما يأتي بيانُ التضامن مع لبنان ضد العدوان الإسرائيلي أخيراً على "دعم جهود الحكومة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيد الدولة"، فهذا هو منطوق كل الدول التي تناصر لبنان في محنته التي لا تنفكّ تتجدّد، جرّاء الاستهدافات الوحشية الإسرائيلية. ولم يعُد ثمّة، باستثناء إيران، من يراوغ أو يداور في هذا الشأن، فقد صار من حقوق المواطن في لبنان أن ينعُم بدولةٍ لها وحدها قرار السلم والحرب، دولةٍ لا يعاند سفير دولة أخرى فيها قرارَها بمغادرته. ولم يخرُج البيان السوري، الموجز، عن إسناد الدولة اللبنانية في هذا، بلغة واثقةٍ، ونبرة طبيعية.
وفي غضون ما يتعرّض له لبنان، وطناً ودولة وشعباً، من استهداف إسرائيلي عدواني، وفي غضون مفاوضاتٍ مباشرة، برعاية أميركية في واشنطن، بين الدولة المعتدية والمُعتدى عليها، ربما يكون مناسباً، أو ضرورياً ربما، أن تبادر السلطة في دمشق إلى تقديم كل عوْن وغوْث ممكنين، وكل دعم إنساني، فضلا عن الإسناد السياسي، ولو من المعلوم أن إمكانات سورية ليست في تلك السّعة التي تمكنها من تأدية دور عريضٍ في هذا وذاك، غير أن الارتباط الإنساني والعاطفي والوجداني، العروبي في وصفٍ واجب آخر له، يحتّم، على الأرجح، من صانع القرار في دمشق أن يولي هذا الأمر مكانه في صدارة مشاغله الراهنة. سيّما وأن لا حاجة للحديث عن القيمة التي يحوزها لبنان في أجندات السياسة الخارجية السورية، بل والداخلية من قبل ومن بعد..
سلم الله لبنان وحماه وأبقى سورية نعم السند والعضد.

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 26 دقيقة