عربي
لم تعد المأساة في غزة تقتصر على فقدان البيوت، بل تجاوزت ذلك إلى واقع أكثر تعقيداً وقسوة، حيث يمتلك آلاف السكان منازلهم قانونياً ووجدانياً، لكنهم محرومون فعلياً من الوصول إليها أو معرفة مصيرها، فبين الركام الذي غطى الأحياء، والحواجز التي قطعت الجغرافيا، نشأت حالة غير مسبوقة من"الملكية المعلقة" حيث يبقى البيت حاضراً في الأوراق والذاكرة، وغائباً في الحياة اليومية.
هذا الواقع خلق فجوة حادة بين ما يملكه الناس وما يستطيعون العيش فيه، فالعناوين ما زالت محفوظة، وأوراق الملكية سليمة، لكن الطريق إلى تلك البيوت مغلق أو محفوف بالمخاطر، حيث لم يعد البيت مكاناً يمكن دخوله، بل فكرة معلّقة بين الماضي والحاضر، تستحضرها الذاكرة أكثر مما يثبتها الواقع. ومع استمرار هذا الانقطاع، تحولت الحواجز من عوائق ميدانية إلى جدران نفسية تفصل الإنسان عن تاريخه الشخصي، لم يعد الأمر يتعلق بمسافة جغرافية، بل بعلاقة مبتورة بين الإنسان ومكانه، حيث يصبح القرب بلا معنى حين يكون الوصول مستحيلاً.
في المقابل، لم يختف البيت تماماً، بل تغير شكله فقط، فالركام، رغم قسوته، بات يحمل بقايا الذاكرة، ويمنح أصحاب البيوت إحساساً مؤلماً بالحضور، يعرفون مواقع غرفهم، ويتحدثون عن تفاصيل لم تعد مرئية، وكأن المكان مازال قائماً في داخلهم، حتى وإن غاب عن أعينهم.
يقف أحمد شويدح (27 عاماً) على طرف شارع ترابي، يحدق نحو منطقة بالكاد ترى فيها معالم واضحة، ويشير بيده قائلاً: "هناك كان بيتي"، لا يستطيع الاقتراب أكثر، فالحواجز تمنعه من الوصول، رغم أن المسافة لا تتجاوز مئات الأمتار. يحتفظ أحمد بمفتاح منزله في جيبه، رغم أنه يدرك أن الباب لم يعد موجوداً، لكنه يرفض التخلي عنه، باعتباره آخر ما يربطه بالمكان، ويقول لـ"العربي الجديد": "أرى منطقتي السكنية من بعيد، لكن لا أستطيع أن أصل إليها، كأنها لم تعد لنا".
هذا المشهد يتكرر مع كثيرين، حيث تحول القرب المكاني إلى عجز فعلي، وأصبح النظر إلى البيت من بعيد هو أقصى ما يمكن فعله، في هذه اللحظات، يتداخل الإحساس بالانتماء مع شعور الفقد، في معادلة قاسية لا يمكن حسمها. في ظل هذا الواقع القاسي، يضطر عشرات آلاف السكان إلى اللجوء لبدائل قاسية، حيث يعيشون في خيام مهترئة أو مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، لا توفر هذه الأماكن حماية حقيقية من الحر أو البرد، ولا تمنح شعوراً بالأمان أو الاستقرار، في وقت يملكون فيه بيوتاً، ولو نظرياً، لا يستطيعون الوصول إليها، وبين ضيق المساحة وقلة الخدمات، تتحول الحياة اليومية إلى معاناة مستمرة، تتضاعف فيها الأعباء النفسية والمعيشية، ويصبح "السكن" مجرد محاولة للبقاء، لا أكثر.
أما صبحي حميد (34 عاماً)، فيتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة، إذ يحتفظ بأوراق ملكية منزله بعناية داخل ملف بلاستيكي، يخرجه بين الحين والآخر ليتفحص تفاصيله، يقول: "هذه الأوراق تثبت أنّ لديّ بيتاً، لكن الواقع يقول غير ذلك". ووفق توضيحه لـ "العربي الجديد" لم يتمكن صبحي من زيارة منزله منذ بداية العدوان الإسرائيلي، لا بسبب المسافة، بل بسبب خطورة المنطقة وصعوبة الوصول إليها، يضيف: "أشعر أن حياتي متوقفة، لا أنا قادر أرجع، ولا قادر أبدأ من جديد".
هذا التناقض بين الواقعين القانوني الميداني يضع كثيرين في حالة انتظار مفتوحة، حيث لا يمكنهم استعادة ما فقدوه، ولا تجاوز ما كان، فيبقون عالقين بين مرحلتين بلا نهاية واضحة.
وعلى بعد قريب من منزلها، تقف سناء كحيل (40 عاماً) خلف أكوام الركام، تنظر نحو المكان الذي كان يضم بيتها، وتشير بيدها قائلة: "هناك كانت غرفتي، وهناك المطبخ". لم تدخل سناء منزلها منذ فترة طويلة، ليس لأنه اختفى بالكامل، بل لأن الوصول إليه أصبح مستحيلاً، تكتفي بالوقوف من بعيد، محاولة استعادة تفاصيل المكان من الذاكرة، وكأنها تعيد بناءه في مخيلتها، وتقول: "أصعب شعور أن يكون بيتك قريباً منك، ولا تستطيع لمسه".
وبين هذه القصص، تتكرر الحكاية ذاتها بأشكال مختلفة، بيوت قائمة في الذاكرة، غائبة في الواقع، وأصحابها يعيشون على أمل مؤجل بالعودة، في غزة، لم يعد البيت مجرد مأوى، بل صار اختباراً يومياً لمعنى الفقد والانتماء، في آن واحد.
وتسببت حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة في 8 أكتوبر / تشرين الأول 2023، واستمرت عامين، في دمار 90% من المباني وفق معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بنهاية 2025، بينما تضمن تقرير الحالة الإنسانية الصادر عن مكتب الامم المتحدة للشؤون الإنسانية في 10 إبريل/نيسان الجاري، تضرر أكثر من 320.600 وحدة سكنية في غزة حتى 11 أكتوبر 2025، وذلك طبقا لتحليل صور الأقمار الصناعية أجراه برنامج الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات).

أخبار ذات صلة.
فاركه: بذلنا قصارى جهدنا أمام تشيلسي
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق