كيف تؤثّر خطبة مسجد في صورة المسلمين بالإعلام البريطاني؟
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لا تبقى بعض الخطب، المثيرة للجدل في بريطانيا، محصورةً في لحظة إلقائها أو داخل جدران المساجد، بل يتّسع أثرها فور انتقالها إلى العنوان الصحافي الوطني، ليطاول صورة المسلمين في الفضاء العام وفهم مؤسساتهم الدينية، وقد ينعكس على أشخاص لا صلة لهم بتلك التصريحات سوى انتمائهم الديني أو الاجتماعي. هذا ما أعاد تقرير لصحيفة آي نيوز البريطانية تسليط الضوء عليه، بعدما نقل عن إمام في مسجد ومركز برنت الإسلامي في كريكلوود، شمالي لندن، إشادته بالمرشد الإيراني علي خامنئي، وفق تسجيل قالت الصحيفة إنه أزيل لاحقاً من منصة المسجد. كما أشار التقرير إلى أن المسجد سبق أن تلقى إنذاراً رسمياً من هيئة الجمعيات الخيرية، بسبب خطبٍ سابقةٍ رأت الهيئة أنّ بعضها حمل مضامين "تحريضية ومثيرة للانقسام"، وبعضها الآخر قد يُفهم على نحو معقول على أنه يشجّع دعم حركة حماس. من الواقعة الفردية إلى الصورة العامة في هذا الإطار، يقول كبير المحللين في مركز مراقبة الإعلام البريطاني (CfMM)، فيصل حنيف، في ردّه على أسئلة "العربي الجديد"، إن التركيز الإعلامي على مسجد بعينه أو داعية بعينه ينطوي على خطر حقيقي، إذ قد يدفع الجمهور إلى التعامل مع تلك الحالة، كما لو أنها تمثّل المسلمين على نطاق أوسع. ويوضح أن السرديات الإعلامية تشكل لدى كثيرين مرجعهم الأول، بل الوحيد أحياناً، لفهم المجتمعات المسلمة، لذلك يمكن للحالات الفردية أو الوقائع المثيرة للجدل أن تتحوّل سريعاً، في غياب السياق، من استثناء إلى صورة عامة. يرى حنيف أن هذا النوع من التأطير لا يبقى في حدود التمثيل الإعلامي، بل يخلّف آثاراً ملموسةً في الحياة اليومية، خصوصاً بالنسبة إلى المسلمين الذين يمكن تمييزهم بصرياً، وفي مقدمهم النساء اللواتي يرتدين الحجاب أو النقاب. فذلك قد يضعهن في موقع من يشعر بأنه موضع حكم مسبق أو استهداف ضمني في الفضاءات العامة. كذلك قد يجد طلاب وعائلات ومهنيون، لا شأن لهم أصلاً بتلك السجالات، أنفسهم في مواجهة نظرات الشك أو أشكال من التدقيق غير المعلن، بما يبدّد تدريجياً الإحساس بالأمان والراحة والانتماء. ويلفت حنيف إلى أن بعض وسائل الإعلام البريطانية لا تزال تنزلق إلى أنماط متكررة في تناولها هذه القضايا، من بينها تغليب زوايا الصراع والأمن والجدل، مقابل حضور محدود للحياة اليومية العادية للمسلمين، فضلاً عن الاعتماد على طيف ضيق من الأصوات. هكذا، لا تظهر المساجد في العناوين إلّا غالباً حين ترتبط بأزمة أو خلاف أو واقعة سلبية، لا بوصفها فضاءات مجتمعية حيّة تؤدّي أدواراً واسعةً في حياة الناس. اختلال التغطية ومفعول الصورة ويشير حنيف إلى أن التغطيات الأخيرة تقدّم أمثلة واضحة على هذه الاختلالات. فقد نشرت صحيفة صنداي تايمز هذا الأسبوع مادة إيجابية عن كاثي نيومان، إعلامية بريطانية بارزة، من دون أن تعود إلى الانتقادات التي وُجّهت إلى تغطيتها السابقة بشأن مسجد في جنوب لندن، حين قالت إنّها "طُردت" منه، في حين اعترض المسجد على هذا الوصف، مؤكداً أنّ الواقعة قُدّمت على نحوٍ غير دقيق. يعتبر حنيف أن ترك مثل هذه الخلافات من دون متابعة يرسّخ الروايات الأولى في الوعي العام، حتى عندما تكون محل نزاع أو تشكيك، بينما يبقى أثرها السلبي قائماً على سمعة المجتمعات المعنية. ويضيف أن تقريراً حديثاً لقناة سكاي نيوز من برمنغهام جمع بين الحديث عن "مشكلات" المدينة وبين عرض مشاهد لامرأة منتقبة كانت تكتفي بإطعام الحمام. المرأة، بحسب حنيف، لم تكن طرفاً في أيّ قضية سياسية أو عامة، لكن هذا الربط البصري يزرع إيحاءات ضمنية لا يقولها النص صراحة، وإن كان يترك للمشاهد أن يستنتجها من تلقاء نفسه. ولا يقف الأمر، بحسب حنيف، عند طبيعة التأطير أو اللغة البصرية، بل يمتد أيضاً إلى تفاوت لافت في حجم الاهتمام الإعلامي نفسه. فقد حظي إحراق مسجد "بي إتش" في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 بقدر محدودٍ من التغطية على الإنترنت، إذ لم يتجاوز عدد المواد التي تناولته 64 مادة، بينما استقطب إحراق سيارات إسعاف مرتبطة بمنظمة هاتزولا في غولدرز غرين أكثر من 300 مادة خلال بضعة أيام فقط. ومع أن الحادثتين على قدر كبير من الخطورة، فإنّ هذا التفاوت في حجم التغطية قد يساهم، بحسب حنيف، في ترسيخ تصورات ضمنية بشأن أيّ معاناة تبدو أكثر إلحاحاً أو أحقّ بالاهتمام في أعين الإعلام. ويشدّد حنيف على أن المسألة لا تتعلق بالدعوة إلى تجاهل القصص الصعبة أو التخفيف من وطأتها، بقدر ما تتعلّق بالحاجة إلى قدرٍ أكبر من التناسب والسياق والإنصاف. فالتغطية الأكثر توازناً، برأيه، لا تعني تبييض الوقائع أو حجبها، بل تعني تقديم صورة أدق عن تنوّع الحياة الإسلامية في بريطانيا بما يحدّ من الانزلاق إلى تعميمات مؤذية تتجاوز الواقعة إلى مجتمع كامل. مناخ إعلامي مشحون تكتسب هذه القضية بعداً أوسع في ظل المناخ الإعلامي الذي تُستقبل فيه. فقد خلصت دراسة لمركز مراقبة الإعلام، نُشرت في 9 مارس/ آذار 2026 وشملت 40,913 مادة صحافية في 30 وسيلة إعلامية بريطانية، إلى أن نحو نصف التغطيات المتعلقة بالمسلمين أو الإسلام خلال عام 2025 تضمنت قدراً من الانحياز، فيما ربطت 70% منها بين المسلمين أو الإسلام وبين موضوعات أو سلوكيات سلبية. وتزداد حساسية ذلك مع تسجيل منظمة تل ماما 6313 حالة موثقة من العداء ضد المسلمين في عام 2024، وهو أعلى رقم منذ تأسيسها. في هذا السياق، لا تبدو القضية مجرّد سجال حول خطبة أو تصريح، بل مثالاً على الكيفية التي تتشكل بها الانطباعات العامة عن المسلمين ومؤسّساتهم. فالتّحدي لا يكمن في نشر هذه الوقائع أو حجبها، بل في تناولها من دون أن تتحوّل حالة محددة إلى حكم أوسع على جماعة كاملة. وعندما يلتقي خطاب مثيرٌ للجدل ببيئة إعلامية شديدة الحساسية أصلاً تجاه كل ما يتّصل بالمسلمين، لا يبقى أثر الجدل داخل حدود المنبر، بل يمتدّ إلى الشارع والبيت وإلى الصورة العامة التي قد تتّسع أسرع بكثير من الواقعة نفسها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية