عربي
يرتبط كاتب السيناريو والمخرج الألماني أولريش كولر (1969) بعلاقة وثيقة مع القارة الأفريقية. فبين عامي 1974 و1979، عاش في زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) مع والديه، العامِلَين في مجال التنمية. عام 2011، صَوّر كولر فيلمه الروائي الطويل "مرض النوم" في الكاميرون: رحلة طبيب يفقد اتزانه النفسي. فيلمه الأخير "غافاغاي" (Gavagai، قصة طموحة تُروى عبر فيلمٍ داخل فيلم) يبدأ في السنغال، ثم ينتقل إلى برلين.
على ساحل السنغال، تُصوّر المخرجة الفرنسية كارولين ليسكوت (ناتالي ريشار) نسخة عصرية من التراجيديا اليونانية القديمة "ميديا"، غالبية ممثليها أفارقة. في تصوير الفيلم المضطرب بدكار، تُغرم الممثلة الألمانية المتزوّجة مايا (مارين إيغرت)، مؤدّية ميديا، بزميلها السنغالي نورو سيسوكو (جان كريستوف فولي)، مؤدّي دور زوج ميديا، جيسون.
بعد أشهر، يسافر نورو إلى برلين، حيث يُعرض الفيلم لأول مرة في مهرجانها السينمائي (برليناله). تُخيّم على لقائه بمايا حادثة مؤسفة عند مدخل الفندق: حارس أمن بولندي يضايق نورو، لكونه أسود البشرة. تتدخّل مايا غاضبة، وتضمن فصل الحارس المُسيء من عمله. تستأنف مايا ونورو علاقتهما السرية. في مؤتمر صحافي، تواجه المخرجة أسئلة واتهامات مُحرجة، تتعلّق بقضايا الهوية في الفيلم، وبمنظورها أوروبيةً تقارب موضوعات أفريقية. تترقّب كارولين ومايا ونورو بفارغ الصبر العرض الأول في قصر المهرجان، بتوتّر شديد. عندما يجلسون أخيراً في الصالة، يغادر نورو فجأة.
منذ فيلمه الأول "بانغالو" (2002)، يُعتبر أولريش كولر جزءاً من "مدرسة برلين"، التي تضمّ، بشكل غير رسمي، سينمائيين يرفضون الميلودراما، ويتبنّون البساطة البصرية. يتجلّى هذا الأسلوب الإخراجي الصارم بوضوح في المشاهد الدائرة أحداثها في برلين الشتوية الباردة، التي تغمرها إضاءة خافتة غالباً. في المقابل، تدور المشاهد النابضة بالحياة على شاطئ دكار، مع سماء زرقاء صافية، تحتمي مايا منها بمظلّة.
تضع كارولين (تشبه كثيراً المخرجة كلير دوني) خططاً طموحة لفيلمها في دكار. تُعيد إنتاج المأساة الإغريقية، لكن أحداث القصة (أميرة سابقة مهجورة تقتل أطفالها يأساً) لا تحصل في اليونان القديمة، بل في ساحل السنغال الأطلسي. معظم الممثلين أفارقة سود، باستثناء مايا البيضاء، ونورو، الذي رغم أصوله السنغالية عاش وعمل في باريس فترة طويلة، بجواز سفر فرنسي. يثير هذا الوضع الاستفزازي اضطراباً ونقاشات حول العنصرية منذ البداية: احتجّ الممثلون الإضافيون الغاضبون في موقع التصوير على المعاملة التمييزية، لأنهم، عكس فريق الفيلم، ممنوعون من دخول الكافتيريا المؤقتة في استراحة الغداء. هدّأت كارولين حدّة التوتر بتقديمها طبقاً من أفخاذ الدجاج للمحتجّين.
في زمن ما بعد الاستعمار، يثير هذا المزيج تساؤلات. لذا، بعد أشهر، عندما احتفل "ميديا" بعرضه العالمي الأول في برلين، تحدثت المخرجة نفسها عن ذلك "الفيل في الغرفة"، في مؤتمر صحافي. تجد نفسها جالسة، بأذنين متدلّيين وخرطوم، أمام صحافيين (من البيض حصراً) ألحّوا عليها بالأسئلة، بعد ذلك بوقت قصير، في لحظة مفاجئة وسريالية تماماً.
يستكشف "غافاغاي" أيضاً الإقصاء والقمع في مستويات أخرى، بطريقة دقيقة ومتعدّدة الأوجه. فبينما يقع نورو ضحية تمييز صارخ في برلين، يتصرّف بغطرسة بالغة تجاه موظّف استقبال فندق مسكين في دكار. من جهة أخرى، يشعر نورو، المقيم في باريس والذي يبدو أنه عانى تجارب عنصرية كثيرة هناك، بالأسف لفقدان حارس الأمن البولندي وظيفته بسبب الاعتداء. لذا، يسعى إلى التحدّث إليه، فيصارحه بأن البولنديين في ألمانيا يُعاملون معاملة السود.
كما في "مرض النوم"، يتناول كولر مواضيع ورموزاً عدّة، من دون الخوض فيها أو التوسّع بها. يبدو أنه يحبّذ الفراغات، ويتجنّب الإجابات السهلة، ويُفضّل ترك الأسئلة بلا إجابات. مثلاً: ما الذي يُراد إيصاله من خلال مشهد على نمط "أفلام النوار"، إذْ يتبع نورو حارس الأمن البولندي، ويقود سيارته مع رفيقين له في شوارع برلين ليلاً، في تجوّل يبدو بلا هدف؟ يظهر انغماسٌ آخر وجيز في نوعٍ سينمائي مختلف، في المؤتمر الصحافي ببرلين: يُفاجأ نورو (هو وحده) برؤية المخرج الجالس بجانبه يرتدي قناع فيل ضخم. هل هذا التحوّل السريالي الكافكاوي استعارة صارخة للمشكلة الواضحة التي يتجاهلها الجميع؟
يُثبت "غافاغاي" (باللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية والولوفية) أنه تأمّل متعدّد الأوجه في الفنّ والأخلاق والعنصرية، وما بعد الاستعمار، وبنى السلطة والهوية. يتجلّى ذلك بوضوح في التفاعل المتقن بين الشخصيات وتحوّلات المعنى. في الفيلم داخل الفيلم، يُدان جيسون لرفضه ميديا، بينما يصبح الممثل الذي يؤدّي دوره ضحية على مستوى أعمق، عندما يُوقفه حرّاس الأمن مرتين ببرلين. على نقيض ذلك، تقع مايا ضحية المنفى، بينما تجسّد ببرلين دور "المنقذة البيضاء" لنورو.
تداخلات وانقطاعات بين الواقع الاجتماعي والمتخيّل تُشكّل جوهر الفيلم، الواقع في مكان واضح وغير مريح، في ما يتعلق بتجارب صانعي الأفلام الأوروبيين، الذين يصوّرون في دول العالم الثالث، والأفكار المرتبطة بالاستيلاء الثقافي والاستعمار، والارتباك الذي يولّده، والدور الغريب الذي تلعبه مهرجانات الأفلام في هذه الدائرة الملتبسة من المعاني.

أخبار ذات صلة.
مان سيتي سيخوض 3 مباريات قوية في 7 أيام
الشرق الأوسط
منذ 5 دقائق