عربي
لا أعرف عن بسنت سليمان (المصرية التي صورت انتحارها في فيسبوك) سوى بعض ما نشر عنها. ومع ذلك، يمكنني أن أحكي لك عن مأساتها، وبالتفاصيل، فقد عشتها عشرات المرّات مع أخريات حاولن وفشلن، حاولن الحياة وحاولن الموت. البدايات كثيرة والنهايات واحدة، البداية حين يتشكّل مفهوم الرجولة من البيت، ومن المجتمع، ومن الثقافة الشعبية، ثم يأتي الدين أو الخطاب الذي يتكلّم باسمه، ليمنح ذلك كلّه أختام الشرعية.
في المرّات كلّها التي حضرتُ فيها جلسات التوسّط من أجل إصلاح ذات البين بين زوجين على وشك الطلاق، كان ثمّة عامل مشترك لا يغيب أبداً: أنّ كلّ الوسطاء من الطرفَين يحاولون إقناع الزوجة بخطئها. أيُّ خطأ؟ لا يهم، فطالما أنّ الأمور وصلت إلى الطلاق فثمّة خطأ ما تتحمّله المرأة. تبدو بشاعة الموقف حين يتّخذ خطاب القهر شكل الدين، وتزداد بشاعته حين يتبنّاه أهل الزوجة، أبوها أو أخوها أو غيرهما، ممَّن يريدون لها "الستر"، أو بالأحرى لأنفسهم، فهي إن تطلّقت فقد تعرّت، وإن واجهت الحياة وعملت وربّت أولادها فهي امرأة وحيدة سيرتها على كلّ لسان، ولو تزوّجت غيره فقد أدخلت على عيالها رجلاً غريباً، الله أعلم به. ولو كان العيال بنات فالجريمة مضاعفة. باختصار: الطلاق عار، والموت أهون.
تواجه المرأة التي طلبت الطلاق حصاراً لا فُكاك منه، لا حلَّ، ولا أملَ، ولا وسيلةَ. زوجها ضدّها، وأهله، وأهلها، وأحياناً أولادها، ثم الدِّين، كما سيخبرونها وتصدّقهم. لا مصدر للدخل، لا دولة هنا ولا رجل. أمّا الدولة فلا معنى لاستعراض أحوالها؛ حاول إن استطعت أن تمشي في شوارعنا بعد التاسعة مساءً، وسيخبرك الظلام بكلّ شيء. وأمّا الزوج، فهو لا يقلّ ظلاماً عن العالم الذي لقّنه أنّ سلطته حقّ، وأنّ تحمّله مسؤوليته فضل، وأنّ أولاده امتدادٌ لملكه لا أمانةٌ في عنقه.
لماذا أنفق على أولادي وهم ليسوا في بيتي؟ خذهم إذاً، وهل ثمّة أمٌّ تترك أبناءها؟ هي مجرمة إن أخذتهم، ومجرمة إن تركتهم، وعليها، في الحالَين، أن تتحمّل مسؤولية جريمتها، وأن تدفع من عمرها، ومن صحّتها، ومن شبابها، ومن جيبها، نفقات تربيتهم، وطعامهم، وشرابهم، وعلاجهم، وتعليمهم، وما أدراك ما تعليمهم؟ ثم حالتهم النفسية التي ينبغي ألا تتأثّر أو تتضرّر بابتعاد الأب عنهم، فهو حاضر بسيرة طيّبة عليها أن تخترعها وترويها بنفسها كذباً وزوراً واجباً من أجل نفسية الأولاد، وأحياناً يحضر بنفسه أباً مستمتعاً بسلطته التي لا يؤدّي من استحقاقاتها شيئاً، وهذا حقّه المكفول بقوة الأعراف والأمر الواقع.
لم تجد بسنت من يخبرها أنّ الطلاق من شبه رجل حقّها، وأنّ ما أخبروها أنّه دِينٌ ليس كذلك، وأنّه عرف لم يكن ينبغي له أن يكون، وأنّ ذكور القبيلتَين المجتمعين عليها لا يدافعون عن الدِّين ولا عن الأسرة ولا عن الأخلاق، بل عن قهرهم هم، وعن صورتهم هم، وعن عالمهم هم، وأنّ الذين أظلموا شوارعنا بفشلهم، ووعينا بجهلهم، وحيواتنا بفسادهم، هم وحدهم من يستحقّون العقوبة، لا هي ولا أولادها ولا أيّامها التي أنهتها بأيديهم.
اختارت بسنت أن توثّق انتحارها لتخبر قتلتها بجرائمهم، وتجبرهم، ولو لمرّة واحدة، على التوقّف عن تبريرها. أرادت أن تقول إنّ تقنين الظلم لم يجعله عدلاً، وإنّ تديين القهر لم يجعله إنصافاً، وإنّ تشريس الذكور لم يجعلهم رجالاً، وإنّ المعنى من وراء أنوثتها وأمومتها وآدميتها شيء آخر غير ما أخبروها به.
هل كانت صرخة بسنت تستحقّ حياتها كلّها ثمناً لها؟ الإجابة لها وحدها. فلا يعرف "القهر" إلا من يكابده. حتى المتعاطفون صدقاً مع بسنت لن يدركوا ما أدركته أو يشعروا بما شعرت به. من السهل أن نتحدّث عن أحكام الانتحار الشرعية، وضرورة طلب المساعدة النفسية، ودور الدولة، وتغيير القوانين، وأن ندبج الخطابات السياسية والقانونية والحقوقية والإنسانية، ثم ينصرف كلّ منّا إلى حياته، آسفاً أو متألماً، قليلاً أو كثيراً، لا فرق، لأنّه لا ثمن. فالثمن تدفعه بسنت وحدها، كلّ بسنت.
