عربي
أصدر الرئيس السوري، في الرابع من مايو/ أيار 2025 القرار الرئاسي رقم 13، الخاص بـ"تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع"، وقد تضمّن القرار خمس مواد ﻻ غير، تعرّضت لهيكل اللجنة ومهمتها وحدود صلاحياتها، واختصاصها.
كان القرار مختصراً للغاية في صياغته، وبمحتوى ﻻ يكاد يجاوز 110 كلمات، وهو ما دعا حينها إلى التساؤل عن مدى ملاءمته إطاراً "تشريعياً" لمقاربة موضوع بهذه الضخامة والتشعب، في بلد عانى لعقود التكسب اﻷسود واستغلال النفوذ، تحت عناوين مختلفة، حتى بات هذا التكسب ملتصقاً بصورة سورية، التصاقاً ﻻ فكاك منه. وفي التاسع من مارس/ آذار 2026، أدلى رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، باسل السويدان، بحديث موسّع لمجلة عربية، طال انتظاره من جميع المهتمين بهذا الشأن، على أمل أن يجدوا فيه أجوبة شافية، تفصح عن أعمال اللجنة وأطر عملها، فضلاً عن أي أرقام تخصّ "التسويات" التي تُمضي أغلبها في الظل.
في سبيل أن يثبت أن للجنة التي يديرها جذوراً في تاريخ التشريع السوري وأنها "ليست مستوردة"، عاد باسل السويدان في حديثه إلى تشريع عام 1958 (القانون رقم 64 الخاص باﻹقليم السوري الذي وقعه جمال عبد الناصر زمن الوحدة)، وهو قانون يستند، في أساسه، إلى تقديم موظفي الحكومة ومن في حكمهم، كشف حساب باﻷموال المنقولة وغير المنقولة لهم ولذويهم، مع بيان مصادر ثرواتهم ومقادير الزيادة فيها.
لم يتوقف السويدان عند ذلك التشريع وحده، فذهب حد اﻻستشهاد بمرسوم لحافظ اﻷسد صدر عام 1977 (من دون أن يسمّيه بالاسم)، بل اعتبر أنه يمثل "عودة قوية" إلى فكرة مكافحة الكسب غير المشروع، الذي ارتبط بمساءلة من تتضخم أموالهم بما ﻻ يتناسب مع دخلهم، بحسب قوله، علماً أن كل ما عايش فترة صدور مرسوم حافظ (تاريخه 17 آب/ أغسطس، وأعلنه أمام مجلس الشعب في 18 من الشهر ذاته عام 1977 تحت اسم المرسوم 60)، يعلم نقيض ذلك تماماً.
ومما يعلمه المطلعون أن حافظ اﻷسد أصدر ذلك المرسوم في سبيل صرف اﻷنظار عن تجاوزات نظامه التي أثارت حنق فئة واسعة من السوريين، وعلى أنه نوع من اﻹجراءات التحايلية ﻻمتصاص غضب الناس، حيث لم يكن للمرسوم 60 أي مفعول يذكر في مجرد اﻻقتراب من كبار المتنفعين، فضلاً عن مساءلتهم ومعاقبتهم.
وقد تحدّث عن هذا معارضون للنظام، مثل عدنان سعد الدين، ولكننا لن نستشهد بما قالوه حتى ﻻ يقال شهادة خصم في خصمه، بل سنرجع إلى ما دونه الدبلوماسي المتعمّق في الشأن السوري نيكوﻻس فان دام في كتابه "الصراع على السلطة في سوريا"، حيث يقول: "…ويبدو أن ما كان مقصوداً بهذه الحملة ضد الفساد هو تبديد السخط الشعبي ضد سبل معالجة الحكومة للسياسة الاقتصادية… وحقيقة، كانت الحملة محكوماً عليها بالإخفاق منذ البداية، حيث إن بعض الضباط العسكريين من ذوي المناصب العليا وهم من الحاشية المباشرة للرئيس حافظ الأسد والذين كانوا يشكلون لب جماعته من الضباط (ومعظمهم علويون) قد وجدوا مذنبين بالتورط في ممارسات الفساد"، ويضع فان دام حاشية تشير بالاسم إلى "المقدم رفعت اﻷسد" رمزاً للفساد والرشوة.
تعلق اختصاص لجنة مكافحة الكسب غير المشروع بفئتين ﻻ ثالث لهما: 1ـ أصحاب المناصب 2ـ أصحاب الوظائف من العاملين المدنيين والعسكريين
فئتان فقط
ثم يعقب فان دام على فشل اللجنة الذريع، موضحاً أنه كان عليها مواجهة الكبار واتخاذ إجراءات تأديبية صارمة ضدهم، وهذا وحده كان كافياً لـ"أن يقوض مركز قوة جماعة الأسد بشكل مباشر، والنظام ككل".
وهكذا يبدو "السويدان" في نقطة استشهاده بالمرسوم 60 مجانباً للصواب، أو أنه يتحدث عما لم يحط بسياقه وأسبابه ونتائجه على أقل تقدير، ومع ذلك ليس هذا ـ بالضبط ـ صلب ما نريد التحدث عنه، وإن كنا سنبقى ضمن مجال المرسوم 60، وما ذلك إلا للخلط الرهيب الذي حمله حديث رئيس لجنة الكسب غير المشروع بين هذا المرسوم الذي أصدره حافظ قبل 49 سنة، وبين قرار الرئيس الشرع الذي لم يمض عليه عام بعد.
فوفق القرار 13 الموقع من الشرع، يتعلق اختصاص لجنة مكافحة الكسب غير المشروع بفئتين ﻻ ثالث لهما: 1ـ أصحاب المناصب 2ـ أصحاب الوظائف من العاملين المدنيين والعسكريين (نص حرفي)، بينما نجد أن السويدان يتحدث عن فئات أكثر من ذلك يشملها عمل اللجنة التي يرأسها، حين يقول: "تشمل الشريحة الخاضعة لاختصاص اللجنة بصورة رئيسة: أصحاب المناصب العامة ممن تولوا مواقع قيادية أو إدارية ذات تأثير مباشر في المال العام أو القرار الاقتصادي، والموظفين المدنيين والعسكريين الذين شغلوا مواقع مكنتهم من إدارة الموارد العامة أو التأثير في منح الامتيازات والعقود، والعاملين في مؤسسات الدولة وفق ما هو منصوص عليه في قانون العقوبات الاقتصادية وتعديلاته، سواء في القطاع العام أو المشترك. أما بالنسبة للقضاة، فهم يخضعون لأطر مساءلة قانونية وإجرائية خاصة بهم. وتمتد صلاحية اللجنة لتشمل الشركاء والمتدخلين والمتعاونين ممن لم يكونوا ضمن الفئات المذكورة، ولكن ثبت ارتباطهم بشبكات مالية مرتبطة بالكسب غير المشروع، وكل من ترى اللجنة ضرورة شموله باختصاصها استناداً إلى معطيات موضوعية تتعلق بتضخم غير مبرر في الثروة".
وهذا الكلام الصادر عن "السويدان" مثير ﻷقصى درجات الدهشة واﻻنتباه، ليس ﻷنه غير موجود في قرار إحداث اللجنة (القرار 13) فحسب، بل ﻷنه مستمد بشكل شبه حرفي من نص المرسوم 60 لعام 1977، الموقع من حافظ اﻷسد.
تطابق
تقول المادة الخامسة من المرسوم 60 المؤلف من تسع مواد إن اختصاص اللجنة يشمل: أصحاب المناصب. الموظفين المدنيين والعسكريين وسائر العاملين في الدولة، وفقاً لما هو منصوص عليه في قانون العقوبات الاقتصادية وتعديلاته، بما في ذلك القطاع العام والمشترك باستثناء القضاة. الشركاء والمتدخلين من غير المشمولين بأحكام الفقرتين السابقتين. كل مواطن كلف وندب إلى خدمة عامة وكل مواطن ترى اللجنة ضرورة شموله باختصاصها.
وتوضح مقارنة بسيطة بين النص أعلاه وكلام السويدان عن اختصاصات لجنته أن السويدان يقرأ بالحرف من مرسوم حافظ اﻷسد وليس من القرار 13، الذي وقعه الشرع، وقصر اختصاص اللجنة على فئتين... وإذا قرّبنا العدسة أكثر، فسنرى أن القرار 13 لم يرد فيه أي ذكر ضمني أو صريح لمرجعية المرسوم 60، وﻻ لمفردات من قبيل: القضاة، المتدخلين، الشركاء، العقوبات اﻻقتصادية، من ترى اللجنة شموله باختصاصها. بينما نجد هذه الفئات والمفردات بحرفيتها في كلام السويدان وفي المرسوم 60!
تأتي خطورة هذا الخلط من أن السويدان شدد في لقائه الموسع على أن القرار 13 الذي وقعه الشرع مكّن لجنته من "الانتقال من الوضع الإداري الاستثنائي إلى وضع قانوني مؤسسي راسخ"، وأن هذا القرار نفسه "منح اللجنة الغطاء الدستوري والقانوني"، أي إن السويدان يؤكد فردانية اﻹطار القانوني الذي يعمل تحت مظلته وهو القانون 13، بينما يتحدث ويعمل تحت مظلة مرسوم حافظ اﻷسد.
أما شناعة الخلط، فيجسدها قول السويدان في موضع آخر من مقابلته المطولة، وهو يرد بخصوص صلاحياتها في الحصول على المعلومات: "اللجنة تعمل ضمن الحدود التي رسمها قرار إحداثها، ولا تمتلك صلاحيات مفتوحة خارج الإطار القانوني"، وعند هذه النقطة بالذات يُسقط رئيس لجنة الكسب غير المشروع لجنته بالضربة القاضية، إذ يحكم على ما تمارسه اﻵن خارج إطار قرار إحداثها بعدم القانونية. هذا ونحن لم نتعرض بعد لـ"مشروعية" ما تقوم به اللجنة أساساً، ولا سيما "التسويات"، رغم المشروعية البديهية لمساءلة الفاسدين والمتربحين من مناصبهم وصلاحياتهم وعلاقاتهم، ورغم تعطّش ملايين السوريين إلى هذه المساءلة.. فهذا شأن آخر.
أطلق حافظ اﻷسد في الخطاب نفسه مقولة "ﻻ أريد ﻷحد أن يسكت عن الخطأ، وﻻ أن يتستر على العيوب والنواقص"، التي سرعان ما فقأ بها أعين السوريين، وهم يجدونها "مبروظة" في مختلف دوائر الدولة
عضويات ومفاجآت
شكّل المرسوم 60 الصادر عام 1977، "لجنة التحقيق في الكسب غير المشروع من سبعة أعضاء بمن فيهم رئيسها، بينما تكونت "لجنة مكافحة الكسب غير المشروع" من 4 أعضاء إلى جانب رئيسها، وفق نص القرار 13 لعام 2025 الموقع من الشرع. وقبل أن نمر في عجالة على أسماء اللجنتين (تسهيلاً سنسمي اﻷولى لجنة المرسوم والأخرى لجنة القرار)، يبدو من المفيد أن نشير إلى فارق جوهري في صياغة الفقرة الخاصة بتشكيلهما، ففي نص المرسوم 60 هناك وصف وظيفي واضح بجانب اسم كل عضو، بينما يكتفي القرار 13 بسرد أسماء اللجنة من دون أي أوصاف رسمية.
ترأس لجنة المرسوم، أحمد دياب، البعثي المتحدر من قرية عين حور في ريف دمشق، والذي ترأس مكتب اﻷمن القومي نحو ثماني سنوات، وعرف بقربه الشديد من رفعت اﻷسد الذي أدخله دائرة السلطة من بابها الواسع، لكن هذا لم يمنع دياب من اﻻصطفاف إلى جانب حافظ الأسد في صراعه مع شقيقه رفعت، ليضمن بهذا اﻻصطفاف بقاءه عدّة سنوات في منصبه، وسنوات أطول في دائرة النافذين ضمن "الحزب القائد للدولة والمجتمع".
يضع المرسوم 60 وصف عضو القيادة القطرية لحزب البعث أمام اسم دياب الذي كان قد مضى على دخوله تلك القيادة نحو سنتين ونيف خلال المؤتمر القطري السادس 1975، محمولاً على جناح "أبي دريد (رفعت)" ومستظلاً بنفوذه، ولم يكن دياب بعد قد تولى رئاسة مكتب اﻷمن القومي.
أعضاء لجنة المرسوم: جمال النعماني، رئيس المحكمة الدستورية العليا، عبد الرحمن المارديني، رئيس محكمة النقض، فوزي عيون السود، رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، مصطفى العايد، رئيس اتحاد الفلاحين، حامد حسن، رئيس الاتحاد الوطني لطلبة سورية، ميشيل ريشة، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد نقابات العمال.
وفي جانب لجنة القرار، نجد أن رئيس اللجنة هو باسل السويدان، الذي ظهر اسمه للمرّة اﻷولى في العهد الجديد، بالتزامن مع صدور القرار 13. بعد أشهر، وإلى جانب منصبه رئيساً للجنة الكسب غير المشروع، سيُصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً يعين فيه باسل حافظ السويدان بمنصب معاون وزير الزراعة. وهو يتحدر من بلدة حلفايا في ريف حماة، وعرف بلقب "أبو حمزة قاسيون".
أعضاء لجنة القرار: أسامة عاتكة، وهو على اﻷرجح أسامة محمد خير عاتكة الذي عينه وزير الداخلية قائداً للأمن الداخلي في دمشق برتبة عميد، علماً أن تسميته عضواً في لجنة الكسب غير المشروع وقائداً للأمن الداخلي بالعاصمة، قد تمت في الشهر نفسه (مايو/ أيار) وبفارق 20 يوماً تقريباً.
رامي صوان: المعروف بلقب "أبو زيد"، والذي طغت صورة توقيعه "التسوية" مع محمد حمشو على كل سيرته تقريباً، رغم أنه سبق أن أمسك بملفات حساسة ومعقدة، منها ملف شركات اﻻتصالات.
محمد المنصور، وهو على اﻷرجح العميد محمد عكرمة منصور، الذي سبق تعيينه في منصب "رئيس إدارة شؤون الضباط" في وزارة الدفاع، وذلك قبل بضعة أشهر من تسميته عضواً في لجنة الكسب غير المشروع. ويبقى العضو اﻷخير حمود محمد الخالد ضمن دائرة المجهولين كلياً، حيث يصعب الوصول إلى أي معلومة حوله.
للمفارقة القاتلة، أطلق حافظ اﻷسد في الخطاب نفسه مقولة "ﻻ أريد ﻷحد أن يسكت عن الخطأ، وﻻ أن يتستر على العيوب والنواقص"، التي سرعان ما فقأ بها أعين السوريين، وهم يجدونها "مبروظة" في مختلف الدوائر الخدمية واﻷمنية والعسكرية والحزبية، التي كانت تموج على بحر من التجاوزات تتقزم أمامها كل "العيوب والنواقص".
