عربي
وصل البابا لاوون الرابع عشر، اليوم الاثنين، إلى الجزائر في زيارة هي الأولى من نوعها لبابا الفاتيكان إلى البلاد، وتستمر حتى الأربعاء المقبل، يزور خلالها كنائس ومراكز كنسية، ويلتقي المجتمع المسيحي في كل من العاصمة ومنطقة عنابة شرقي الجزائر. وقال بابا الفاتيكان، أمام حشد من المستقبلين في مقام الشهيد، إن "الجزائر عرفت عبر تاريخها فترات صعبة اتسمت بالألم والعنف، لكنها تمكنت من تجاوزها بشرف وشجاعة"، في إشارة منه إلى الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد خلال فترة التسعينيات، وعبّر عن أمله في أن "تبقى الجزائر قوية بجذورها وأمل شبابها، وأن تواصل الإسهام في ترسيخ الاستقرار وتعزيز الحوار على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة في منطقة البحر الأبيض المتوسط". وأكد البابا أن الجزائر "بلد نبيل ذو تاريخ عريق وغني بالتقاليد، ونقف اليوم تكريماً لتاريخها ونضالها"، مشيراً إلى أن "الجزائر تمثل ملتقى للثقافات والأديان"، مشدداً على أن الاحترام المتبادل يشكل الطريق الأمثل لتعزيز التعايش بين الشعوب.
وخُصص استقبال لافت للبابا في مطار الجزائر الدولي، وفي الأماكن التي من المقرّر أن يزورها، إذ تتضمن أجندته زيارة مقام الشهيد، النصب التذكاري الرسمي، قبل أن يعقد لقاء مع الرئيس عبد المجيد تبون في قصر الرئاسة، ويلتقي عقب ذلك السلك الدبلوماسي والمجتمع المدني في قصر المؤتمرات، كما يزور لاحقاً جامع الجزائر، حيث يلتقي عميد الجامع مأمون القاسمي. وينتقل البابا لاوون الرابع عشر بعد ذلك إلى مركز الراهبات في منطقة باب الواد وسط العاصمة الجزائرية، قبل أن يزور كنيسة السيدة الأفريقية، كبرى الكنائس في الجزائر، ويقيم قداساً هناك، ويترحم على 19 راهباً قُتلوا خلال الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد في التسعينيّات على يد الجماعات المسلّحة.
وفي اليوم التالي، ينتقل البابا إلى مدينة عنابة شرقي الجزائر، إذ يزور كنيسة القديس أوغسطين، ويجتمع بالأسرة المسيحية، ويقيم قداساً دينياً هناك، كما سيزور المتحف الأثري للمدينة. واختار البابا الجزائر لتكون في مقدمة جولته التي تشمل دولاً أفريقية وأوروبية، إذ كان قد عبّر عن رغبته في زيارة الجزائر ومدينة عنابة، حيث كنيسة القديس أوغسطين الذي ينتمي البابا إلى رهبنته، وهي المنطقة التي عاش ومات فيها أوغسطين.
وجرى التخطيط لهذه الزيارة منذ يوليو/تموز الماضي، إذ كان الرئيس الجزائري قد وجّه دعوة للبابا لزيارة الجزائر، بعدما كان قد زار البلاد مرتين سابقاً قبل اعتلائه السدة البابوية، إذ زار في مايو/أيار 2001 منطقة سوق أهراس، مسقط رأس القديس أوغسطين، وشارك في ملتقى دولي حوله، كما زار عنابة في عام 2013 عند انتهاء أشغال ترميم كنيسة المدينة.
وقبل وصوله إلى الجزائر، كان البابا لاوون الرابع عشر قد ردّ على تصريحات مثيرة أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وصفه فيها بالضعيف بسبب مواقفه. وقال البابا، على متن الطائرة التي أقلّته إلى الجزائر: "لا أخشى إدارة ترامب، أنا أتحدث عن الإنجيل، وسأستمر في رفع صوتي عالياً ضد الحرب، وليس لدي أي نية للدخول في نقاش معه"، وأضاف: "ليس لدي أي نيّة للدخول في نقاش مع دونالد ترامب".
تبون يحث البابا على رفع الصوت لمصلحة فلسطين ولبنان
ودعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون البابا لاوون الرابع عشر إلى السعي والمساعدة في إنصاف الشعب الفلسطيني ووقف المأساة التي يتعرض لها، ورفع الظلم عن الشعب اللبناني نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. وقال تبون خلال حفل استقبال البابا في جامع الجزائر: "ندعو بصوت واحد مع قداستكم كل الضمائر الحية في العالم لإنصاف الشعب الفلسطيني بتمكينه من الإغاثة، والحد من الجرائم الممنهجة المسلطة عليه، ولإعلاء حقه غير القابل للتصرف أو التقادم في إقامة دولته"، مضيفاً: "صوتنا يتقاطع مع صوتكم للدعاء بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان لتجاوز محن الظلم والعدوان".
وأكد تبون أن هذه الزيارة "تختزل ما نتشاركه من طموحات وما نتقاسمه من تطلعات على أكثر من صعيد"، مخاطباً البابا: "أنتم (قداسة البابا) خير مرافع عن السلام في وقت تعصف فيه الحروب بأمن واستقرار العديد من المناطق، وفي مقدمتها الشرق الأوسط؛ نحن ممن يجدون العزاء في موقفكم الشجاع والإنساني من مأساة غزة، وأنتم خير نصير للعدالة الاجتماعية في زمن اتساع الهوة اقتصادياً بين الشمال والجنوب". وأشار إلى أن "الجزائر التي أنجبت أباكم الروحي (القديس أوغسطين) الذي تعتز بإرثه أحدَ أعظم أعلام الفكر الإنساني في تاريخ البشرية. والجزائر، كما تعتز بإرث الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية، على استعداد تام لمواصلة العمل مع دولة الفاتيكان لترقية روح التفاهم بدل الانقسام، ونشر روح الحوار بدل الصدام، وتعزيز روح التعايش والتعاون بدل العداء والشقاق".
وخلال خطاب ثانٍ للبابا لاوون الرابع عشر في المركز الثقافي لجامع الجزائر، قال: "جئت إليكم ساعياً للسلام. بساطة الوعي اليوم هي التي ستفتح الكثير من الأبواب المغلقة"، مضيفاً: "زرت عنابة مرتين وأنا سعيد بالعودة إلى الجزائر، وكلي سعادة بلقاء شعب الجزائر النبيل، وأريد أن تكون زيارتي هذه علامة للسلام في عالم مليء بالصراعات وسوء الفهم". وتابع: "شهدت في مواضع عديدة كيف يظهر شعب الجزائر الكرم والوفاء والتضامن"، واعتبر البابا أن "الأحداث التاريخية التي مرت بها الجزائر زودت هذا البلد بنظرة ثاقبة تجاه العديد من القضايا في العالم، وشعب الجزائر لم تهزمه المحن قطّ لأنه شعب متجذر فيه التضامن".
البابا لاوون الرابع عشر يزور جامع الجزائر
ومن أكثر اللحظات أهمية في زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى الجزائر زيارته إلى جامع الجزائر، وهو ثالث أكبر مسجد في العالم (يتسع لنحو 120 ألف مصلٍ)، ولقاؤه عميد الجامع مأمون القاسمي. وقد زار قاعة الصلاة لهذا الصرح الروحي الكبير، وطاف بمختلف مرافقه الدينية والثقافية، قبل أن يقيم قداساً في كنيسة السيدة الأفريقية، كبرى الكنائس ومقر سفارة الفاتيكان في الجزائر. ووقف بابا الفاتيكان لدقائق في قاعة الصلاة بجامع الجزائر، في صمت على مقربة من المنبر، متأملاً المكان ومستحضراً قيمته الدينية، حيث قُدمت له شروحات وافية عن الزخارف والأعمدة البيضاء الناصعة التي تُبرز سجاد القاعة الأزرق المزخرف بالرسوم النباتية، إضافة إلى الثريا الضخمة، وسائر المعلومات المتعلقة بالجامع. وقد بدا مشهد الزعيمين الدينيين في الجامع موفقاً إلى حد كبير، في خطوة رمزية تعزز التسامح والحوار الحضاري والتقارب بين الأديان، وهو العنوان الديني والسياسي الذي كان الأكثر حضوراً في المشهد، خاصة أن المنطقة نفسها، المحمدية قرب وسط العاصمة الجزائرية، كانت قبل الاستقلال مقراً لأبرز أساقفة الجزائر، الكاردينال لافيجري، ومقراً لمدرسة تخريج "الآباء البيض".
وقال البابا لاوون الرابع عشر، الذي رافقه خلال زيارته للجامع عميد دائرة الحوار بين الأديان الكاردينال جورج جايكوب كواكاد، وأسقف الجزائر الكاردينال جان بول فيسكو: "يجب أن نكون صانعي سلام ومصالحة"، مجدداً دعوته إلى تعزيز السلام واحترام كرامة كل إنسان والاحترام المتبادل. وأقام البابا صلاة "من أجل شعب الجزائر ومن أجل جميع شعوب الأرض، لكي يحضر سلام الله وعدله بيننا". وتُعد هذه الزيارة الثانية له إلى مكان عبادة إسلامي بعد زيارته السابقة إلى الجامع الأزرق في إسطنبول.
من جهته، وصف عميد جامع الجزائر الشيخ القاسمي هذا اللقاء بأنه "خطوة مباركة على طريق السلام، وجهد صادق لتوسيع آفاق التفاهم بين المؤمنين"، مخاطباً البابا: "نؤكد أن أيدينا مفتوحة دائماً لأي مبادرة تهدف إلى خير الإنسانية وكرامة الإنسان. نشكركم على تفانيكم في تعزيز التعايش السلمي بين الشعوب، ونشر ثقافة السلام والوئام، والدعوة إلى إرساء المحبة والمودة بدلاً من العداء والكراهية"، خاصة "في عالمٍ مليء بالحروب والهجرات القسرية والفقر والاضطرابات". وأضاف القاسمي: "نجتمع اليوم حول إرث مشترك، وهذه الزيارة وهذا اللقاء يتجاوزان مراسم الترحيب والبروتوكول، في وقتٍ يحتاج العالم بشدة إلى صوت الحكمة"، مشدداً على أن "ما تشهده الإنسانية من تشوهات للدين في ساحات القتال لا يمثل طبيعته الحقيقية، ويؤكد الحاجة المُلحة إلى تعاون ديني عالمي يُطفئ جذور الكراهية ويُعيد الخطاب الديني إلى نقائه ومعناه الحقيقي". وأوضح أن "المطلوب من المؤسسات الدينية الكبرى في العالم، الإسلامية والمسيحية على حد سواء، بث الأمل وغرس الطمأنينة، كما يمكن لتعاونها أن يُشكّل ركيزةً للأمن الروحي العالمي"، معلناً أن "جامع الجزائر الكبير يطمح إلى أن يكون منارةً للمعرفة والحوار وخدمة الإنسانية، ومقصداً لكل من يسعى إلى العلم والسكينة، بغض النظر عن دينه أو أصله، مستمداً ذلك من التجربة التاريخية للجزائر التي حافظت على مرجعيتها الدينية والاعتدال والانفتاح".
وبعد ذلك، توجه البابا لاوون الرابع عشر لزيارة مركز الصداقة التابع للراهبات الأوغسطينيات في حي باب الوادي وسط العاصمة الجزائرية، قبل أن يصل إلى كنيسة السيدة الأفريقية، حيث اجتمع بالأسرة الكاثوليكية، وأقام قداساً دينياً مهيباً بحضور الرهبان ورجال الدين المسيحيين العاملين في الجزائر. كما ذكّر بتاريخ الكنيسة في الجزائر، واستحضر الإرث الروحي العريق للقديس أوغسطينوس، مشيراً إلى من وصفهم بـ"شهداء الكنيسة الـ19 الذين قدموا حياتهم بدافع المحبة والتضامن مع الشعب الجزائري"، في إشارة إلى الرهبان الذين قُتلوا خلال الأزمة الأمنية في تسعينيات القرن الماضي، مؤكداً أنهم "بقوا أوفياء للمحبة حتى في وجه العنف، ودماؤهم لا تزال بذرة حية".
سيغولين روايال: خطاب البابا "درس تاريخي"
من جانب آخر، وصفت المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2007، ورئيسة جمعية فرنسا- الجزائر شبه الحكومية، سيغولين روايال، خطاب البابا لاوون الرابع عشر في الجزائر، بأنه "درس تاريخي"، ودعت الحكومة الفرنسية إلى تصحيح علاقاتها مع الجزائر.
وأعربت سيغولين روايال في منشور على منصة إكس مساء الاثنين عن أملها في "أن تصبح كلمات البابا لاوون الرابع عشر يومًا ما، مثالًا يُحتذى به في الحكومة الفرنسية، قبل فوات الأوان". واعتبرت أن تصريحات البابا بشأن الجزائر"درس تاريخي رائع يُفند تمامًا مزاعم من يرددون أن الجزائر لم تكن موجودة قبل الاستعمار"، في تلميح إلى مواقف سابقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. كما تعهدت بالعمل على تحقيق "مصالحة قوية وبنّاءة" بين فرنسا والجزائر، بما يخدم الأجيال الشابة على ضفتي المتوسط. وكانت روايال قد زارت الجزائر نهاية شهر فبراير الماضي، حيث التقت الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ودعت في أعقاب ذلك الرئيس ماكرون إلى القيام بخطوة لمعالجة القطيعة القائمة بين الجزائر وفرنسا، مشيرة إلى أن "هناك جزء من الطبقة السياسية في فرنسا تستغل هذا الانقسام بين البلدين ولا تريد لهذا الانقسام أن ينتهي".

أخبار ذات صلة.
سانشيز: التأهل لنهائي كأس إنجلترا «رائع»
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة