عربي
تتعمّق أزمة المياه في مخيمات شمال غربي سورية، وتتحوّل من مشكلة خدمية إلى تهديد يومي يطاول حياة مئات آلاف النازحين في ظل تراجع الدعم الإنساني أو حتى توقفه بنسبة كبيرة خلال الأشهر الماضية. وفي خيام تفتقر إلى أبسط مقومات العيش بات الحصول على مياه صالحة للشرب رهن القدرات المالية للعائلات ما يضعها أمام خيارات قاسية بين تأمين المياه أو تلبية الغذاء واحتياجات أساسية أخرى.
وأظهرت بيانات حديثة أصدرتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مواجهة نحو 5.54 ملايين نازح سوري التحديات الأمنية والإنسانية المستمرة في عدد من المناطق. ومع غياب حلول مستدامة تتفاقم المعاناة الصحية والمعيشية وسط تحذيرات من كارثة إنسانية صامتة تتسّع رقعتها يوماً بعد يوم.
في مخيم البردقلي، أحد المخيمات العشوائية في ريف إدلب الشمالي، تجلس مريم عاصي أمام خيمتها تراقب خزان مياه فارغاً، وتقول لـ"العربي الجديد": "لم نعد نستخدم المياه إلا للضرورة القصوى. نفكر أحياناً ساعات كيف سندبر ثمن المياه، وهل نشتري المياه أم نؤمن الطعام للأطفال. في كثير من الأحيان نضطر إلى تقليل عدد الوجبات كي نستطيع شراء برميل ماء واحد يكفي أياماً قليلة. لم يعد لدينا خيار، فالماء الذي كنا نحصل عليه مجاناً أصبح حلماً. اليوم كل شيء يرتبط بالمال، وحتى حين نشتري المياه لا تكون نظيفة دائماً أو معقمة، لذا نخاف أن يصاب أطفالنا بأمراض مختلفة، لكننا فعلياً لا نملك بديلاً لحل المشكلة".
وتشير إلى أن "تقنين استخدام المياه أصبح أسلوب حياة مفروضاً. نستخدم المياه للشرب أولاً ثم للطهي، أما الغسل والاستحمام فنؤجلهما بقدر الإمكان. يسألني أطفالي لماذا لا نستحم مثل السابق، ولا أستطيع أن أقدم لهم جواباً يُقنعهم".
ولا تختلف حال مريم عن آلاف العائلات التي وجدت نفسها مجبرة على شراء المياه بعد توقف دعم المنظمات، وتطالب بتوفير دعم للمياه داخل المخيمات التي لم تعد ضمن أولويات المسؤولين.
ويقول مروان عجاج، وهو نازح في مخيمات أطمة شمال غربي سورية وأب لأربعة أطفال، لـ"العربي الجديد": "لا تقتصر أزمة المياه على مجرد صعوبة الشرب أو الطهي، بل تمتد إلى كل تفاصيل الحياة اليومية لأن العائلة تحتاج إلى عدة صهاريج شهرياً، ما يجعل معظم مواردنا المالية تصرف على المياه وحده، ونضطر أحياناً إلى تقليل الكمية المتاحة ما ينعكس على نظافة الأطفال وصحتهم العامة".
ويشير إلى أن "النازحين يعيشون معاناة يومية مزدوجة بين تحمّل تكاليف باهظة للحصول على المياه، ومواجهة التحديات الصحية والنفسية الناتجة عن تقنين الاستهلاك". ويُطالب بعودة الدعم الإنساني بشكل عاجل أو إيجاد حلول مستدامة لتأمين مياه نظيفة وآمنة داخل المخيمات".
ومع تقنين استهلاك المياه بدأت مظاهر التدهور الصحي داخل المخيمات حيث تنتشر الأمراض الجلدية والمعوية بشكل متزايد. وتقول روعة فحام وهي أم لثلاثة أطفال: "يعاني أطفالي من طفح جلدي مستمر، ولا أستطيع الحفاظ على نظافتهم كما يجب لأن المياه غير كافية. وحتى حين نشتريه لا نضمن دائماً جودته. نضطر مرات كثيرة إلى غسل الملابس بالمياه الباردة ونكتفي بقليل من الصابون، وهذا لا يكفي للوقاية من الأمراض". تضيف: "يعاني الأطفال الحكة والإسهال أحياناً. نشعر بالعجز ونحاول تعقيم اليدين كل يوم، لكن قلّة المياه تجعلنا غير قادرين على الاستحمام أو تنظيف الخيام بانتظام. الوضع صعب جداً ويزداد سوءاً مع كل يوم يمر. وحتى حين نحصل على دعم نلتقى على كميات محدودة لا تكفي الأسرة، وشراء براميل من السوق عبء مالي كبير، ونحن مضطرون إلى الاختيار بين الماء والطعام، وهذا عبء نفسي كبير علينا جميعاً".
من جهته يقول قتيبة ياسين، مدير مخيم دير بلوط الذي توقف دعم المياه فيه منذ أشهر، لـ"العربي الجديد": "نواجه صعوبة كبيرة في تنظيم وصول المساعدات للمخيم بشكل منصف، خصوصاً مع قلّة الموارد والدعم المتقطع من المنظمات الإنسانية. تعتمد الكثير من الأسر على نفسها لتأمين المياه، ونحاول قدر الإمكان توزيع الكميات المتاحة بطريقة عادلة، لكن الضغط كبير جداً بينما الإمكانيات المحدودة، ويشهد أكثر من 900 مخيم انقطاعاً شبه كامل في إمدادات المياه". يتابع: "تلجأ العائلات إلى حلول مؤقتة، مثل شراء المياه من آبار محلية أو مشاركة براميل مع جيرانهم، لكنها غير مستدامة، لذا نحتاج إلى دعم عاجل من الجهات الإنسانية والحكومية لتأمين مياه نظيفة بشكل مستمر، وإلا ستتفاقم الأوضاع الصحية والمعيشية بشكل أكبر".
ويطالب قتيبة بأن تستأنف المنظمات الإنسانية الدعم في شكل عاجل لتأمين المياه مجاناً، وتنفيذ مشاريع بنى تحتية مستدامة، مثل حفر آبار جوفية أو إنشاء شبكات مياه منظمة داخل المخيمات. ويقول: "ليست المياه رفاهية بل أساس الحياة. نحتاج إلى حلول حقيقية لتأمين خدمات دائمة أو إيجاد بدائل تنهي معاناة الناس الذين لا يمكن أن يستمروا على هذه الحال. من البديهي القول إنه لا يمكن أن يبقى مئات الآلاف رهن صهاريج مياه مكلفة بالنسبة إليهم استناداً إلى أوضاعهم ومواردهم، وغير مضمونة أيضاً على الصعيد الصحي".
وفي ظل غياب أفق واضح للحل، يدعو ياسين إلى إنهاء واقع المخيمات عبر توفير ظروف تسمح لسكانها بأن يعودوا إلى مناطقهم أو الانتقال إلى مساكن أكثر استقراراً ما يضمن لهم حياة كريمة لهم بعيداً عن العيش في أزمات لا تنتهي.

أخبار ذات صلة.
3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا
الشرق الأوسط
منذ 3 دقائق