عربي
حذّر راعي كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم القس منذر إسحاق من تصاعد الاستهداف الإسرائيلي للوجود المسيحي في فلسطين، مؤكداً أن ما يعيشه المسيحيون لا ينفصل عن واقع بقية الشعب الفلسطيني.
يكشف القس الفلسطيني منذر إسحاق، في مقابلة مع "العربي الجديد"، أن الإجراءات الإسرائيلية، بما فيها منع رجال الدين أخيراً من الصلاة في كنيسة القيامة، والقيود والحواجز، ومنع الوصول إلى المسجد الأقصى، وتكرار الاعتداءات من دون محاسبة وغيرها، تحمل رسالة تتجاوز البعد الأمني، وهي تستهدف حرية العبادة بشكل مباشر، كما تهدد الوجود المسيحي، وهدفها تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين، وهم الفلسطينيون.
كيف تصف مرور أعياد الفصح على الفلسطينيين المسيحيين هذا العام؟
المسيحي الفلسطيني، كحال كل الشعب الفلسطيني، يعاني من الحواجز وإرهاب المستوطنين والانقطاع عن القدس، والمنع من الصلاة في كنيسة القيامة، كما مُنع المسلمون من الصلاة في المسجد الأقصى. نشعر بوجود استهداف مباشر من الاحتلال الإسرائيلي، خصوثاً بعد إيقاف أربعة رجال دين وهم في طريقهم إلى كنيسة القيامة، ومنعهم من الصلاة، هذه رسالة للكنيسة أكثر من كونها إجراءات أمنية. يهاجم المستوطنون الكنائس في قرية الطيبة قرب رام الله، كما يحدث في كل قرى الضفة الغربية، ونشعر كوننا مسيحيين أن الاحتلال الإسرائيلي يستهدفنا بهدف تفريغ القدس والضفة الغربية من المسيحيين لخدمة الرواية الصهيونية التي تقدّم الصراع على أنه بين قوى غربية متحضرة وتحالف القيم المسيحية اليهودية التقليدية ضد الإسلام والعرب. وجودنا بصفتنا مسيحيين فلسطينيين يشكّل عائقاً أمام هذه الرواية، وعائقاً أمام تهويد الأرض المقدسة.
لماذا يتركّز الاهتمام على منع رجال الدين أكثر من المسيحيين العاديين؟
هناك اهتمام من الفاتيكان وكنائس أخرى بالمسيحيين الفلسطينيين، لكن العالم المسيحي منقسم بين داعم لإسرائيل وداعم للحق الفلسطيني، وهناك من يركّزون على الشأن المسيحي فقط. أما صدى منع البطريرك من الصلاة في كنيسة القيامة فقد ارتبط بمركزية الحدث، ووقوعه في أهم الأعياد، وفي أهم الكنائس، كما أنه لم يحدث منذ مئات السنين، ما يشير إلى استهداف حرية العبادة، واستهداف الكنيسة نفسها، ما أثار استنكاراً واسعاً، حتى من السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، وهو صهيوني متشدد، لأنه شعر أن الاستهداف لا يمكن إنكاره، وهدفه إيصال رسالة مباشرة إلى الكنيسة.
ما هي الرسالة التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى إيصالها؟
منع البطريرك ورجال الدين من الوصول إلى كنيسة القيامة مسّ جوهر الهوية المسيحية، لذلك كان له صدى واسع. الرسالة أن الإسرائيلي هو المسيطر، ولا يوجد شيء اسمه وضع راهن، ولا وصاية هاشمية، بل سلطة واحدة على الأرض هي سلطة الاحتلال. هذا جزء من منظومة أوسع تشمل الفصل العنصري، والإبادة في قطاع غزة. رغم ذلك، لا يجوز حصر القضية بالمسيحيين، فلا يوجد حل مسيحي للصراع. إما إنهاء الاحتلال ونيل الجميع حقوقاً متساوية، أو استمرار المعاناة والتهجير، ومجلس الكنائس العالمي والكنيسة اللوثرية والفاتيكان لديهم مواقف واضحة حول ضرورة إنهاء الاحتلال.
هناك أمور غير مسبوقة تاريخياً، فالمسيحيون ممنوعون من الوصول إلى القدس، ورجال الدين يحتاجون تصاريح عسكرية للصلاة، إلى درجة أنه في سبت النور، لم يستطع سكان البلدة القديمة الصلاة في كنيسة القيامة. الغرض عزل القدس، ورغم أن إسرائيل ضمّت القدس الشرقية بشكل غير قانوني، فإنها ماضية في تهويدها، واستمرار إسرائيل بصفتها قوة احتلال في القدس الشرقية يعني أن دول أوروبا والعالم قررت أن القانون الدولي لا قيمة له.
الاعتدءات على الكنائس دائماً ما تعقبها زيارات دبلوماسية أميركية وأوروبية، لكن هذا لا يمنع تكرار الاعتداءات؟
الاعتداءات الإسرائيلية على المسيحيين صورة مصغّرة لما يتعرض له الشعب الفلسطيني، وتشهد مناطق مثل بيرزيت وعابود وعين عريك وقرى رام الله هجمات من مستوطنين، وما جرى في قرية الطيبة من محاولة حرق كنيسة تعود إلى القرن الخامس، والاعتداء على ممتلكات المواطنين، نموذج واضح، لكن رجال الدين هناك تمكنوا من إيصال الصوت إلى العالم، خاصة أن الغرب ينصت أكثر لصوت الكنائس. جرت زيارات دبلوماسية، بما فيها السفير الأميركي في إسرائيل، وأصدر الأوروبيون بيانات تعاطف، لكن لا توجد دول، باستثناء إسبانيا وأيرلندا، مستعدة لقطع علاقاتها مع إسرائيل، أو حتى وقف توريد السلاح. إسرائيل تنتهك القانون الدولي، والمطلوب هو المحاسبة لا التضامن، وهذه الزيارات ذات طابع إعلامي، وهدفها تبييض صورة الحكومات أمام قواعدها المسيحية.
الهدف من كل هذه السياسات هو التهجير، رغم استخدام مصطلح "الهجرة الطوعية" للتضليل، والمستوطن أداة بيد الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، التي تقوم باستخدامه وحمايته، كما تخلق بيئة طاردة عبر الحواجز والاعتداءات وحرق المنازل واقتلاع الأشجار لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل. هناك عائلات مسيحية كاملة في بيرزيت مهددة بالتهجير نتيجة إرهاب المستوطنين، وكذلك في عشرات القرى الأخرى، والدبلوماسيون الأجانب يدركون ذلك.
تقول إسرائيل إن الوجود المسيحي بضعة آلاف، ما يسهل تهجيرهم، إلى أي مدى العدد مهم في هذا السياق؟
الحضور المسيحي في فلسطين لا يُقاس بالعدد، بل بالأهمية، فهذه الأرض التي وُلد فيها السيد المسيح، وخرجت منها المسيحية إلى العالم، ونحن من نحافظ على المقدسات، وبالتالي وجودنا مسؤولية كل المسيحيين في العالم. الحضور المسيحي نوعي، ومرتبط بمؤسسات تخدم البلد، ومنظمات أهلية عديدة، على سبيل المثال، توجد في القدس الشرقية ستة مستشفيات رئيسية، ثلاثة منها مسيحية. الهوية المسيحية لها دور مهم في القدس، وفي حركة التحرر الفلسطيني، والأهمية الدينية للوجود المسيحي تفوق موضوع العدد.
لماذا يتجنب خطاب الكنائس العالمية، ومن بينها الفاتيكان، وصف المسيحي الفلسطيني، ويستخدم بدلًا منه المسيحي في الأراضي المقدسة؟
مصطلح "المسيحيين في الأراضي المقدسة" نفسه غير مقبول بالنسبة للمسيحية الصهيونية، التي ترى في اليهود تحقيقاً لرؤيتها لآخر الزمان. الهوية المسيحية الفلسطينية تُعد عائقاً أمام المخطط الصهيوني، ويجب عدم نسيان شعار "أرض بلا شعب" الذي يعكس رؤية استعمارية تعتبرنا غير مستحقين للحياة. رغم تطور بعض الخطاب الكنسي، فإن النظرة الاستعمارية ما زالت قائمة، وبالنسبة لهم تظل خدمة المخطط الصهيوني أهم من حقوق سكان الأرض الأصليين ومصيرهم، هذه مشكلتنا مع الصهيونية المسيحية، لذلك قطعاً لن يسمّونا مسحييي فلسطين.
الفاتيكان حالة مختلفة، فهو يعترف بالحق والهوية الفلسطينيين، لكن مقاربته كنسية أكثر، وكنيسة القدس تخدم الأردن وقبرص أيضاً، لذا يُستخدم مصطلح "الأراضي المقدسة" ليشمل كل المنطقة. الأمر أيضاً مرتبط بالبعد الدبلوماسي للخطاب الكنسي، حتى رؤساء الكنائس في القدس يتجنبون مصطلحات مثل "كنائس فلسطين" أو "إسرائيل"، لأن كنائسهم موجودة ضمن هذه الجغرافية، ما يضعهم في مأزق سياسي. لذلك يُستخدم مصطلح "مسيحيو الأراضي المقدسة" لتجنب الحساسيات.
كيف استطاعت الصهيونية المسيحية استخدام الدين المسيحي لتغطية أهدافها؟
في نظري أن مصطلح الصهيونية المسيحية يناقض نفسه، لكنه مصطلح دارج، والموضوع معقد، وتشكّل عبر عقود ضمن فكر غربي أوروبي داعم لهجرة اليهود إلى فلسطين، إما إيماناً بأن الأرض مُنحت لهم دينياً، أو انتظاراً لمجيء المسيح كي يؤمنوا به بعد أن رفضوه قبل أكثر من ألفي سنة. تطور هذا إلى مشروع سياسي يخدم الصهيونية لأسباب دينية مسيحية، لذلك بات المصطلح هو "الصهيونية المسيحية". عند تقييم المصطلح أخلاقياً، نجد أنه فكرة عنصرية استعمارية ارتبطت بالإبادة والتطهير العرقي، ولا يمكن أن تتوافق مع تعاليم المسيحية.
هل يعني ذلك أن ملايين المسيحيين الصهاينة حول العالم ليسوا مسيحيين حقيقيين؟
نقول إنه لا يمكن التعامل مع الصهيونية المسيحية بصفتها تياراً مسيحياً بريئاً، بل يجب أخذ موقف إيماني وأخلاقي منه. المسيحيون الفلسطينيون ورؤساء الكنائس اتخذوا موقفاً واضحاً، لكن المشكلة أن كنائس الغرب لم تصل بعد إلى موقف حاسم، وندعو من يتبنى هذا الفكر إلى التوبة، لأنه يتناقض مع جوهر تعاليم المسيح، ونعتبره فساداً إيمانياً ولاهوتياً.
ما هي وسائل الضغط التي تستخدمها إسرائيل على الكنائس؟
هناك عدة أوراق ضغط إسرائيلية لابتزاز كنائس القدس، أهمها التصاريح، سواء لرجال الدين أو المواطنين، وأيضاً الضرائب، وتصاريح العمل، وهناك خشية من تهديد إسرائيلي بمنع تصاريح المعلمين في المدارس المسيحية الخاصة في القدس، مثل "الفرير" و"تراسنطة" و"شميدت"، وإذا ما قام الاحتلال بمنع معلمي الضفة الغربية من التدريس في القدس، فستكون هذه ضربة قاتلة لهذه المدارس. هناك أيضاً المساعدات التي لا تستطيع المدارس الاستمرار من دونها، وإسرائيل تستخدم كل هذه الأدوات لابتزازنا.
لماذا لا يتضامن المسيحي الغربي بما يكفي مع المسيحي الفلسطيني رغم وحدة الدين؟
هناك تضامن، لكنه ليس بالشكل المطلوب، إذ توجد فئة من المسيحيين داعمة للصهيونية، تضم من يدعم ومن يصمت ومن يتواطأ. في المقابل هناك فئة كبيرة تدعم المسيحيين الفلسطينيين، والمؤسسات والمستشفيات المسيحية في فلسطين تعتمد أساساً على الدعم الغربي، خصوصاً من الكنائس. المواقف الرسمية لمعظم الكنائس معتدلة، وتدعو إلى حل الدولتين ورفض الاحتلال، ومجلس الكنائس العالمي صنّف إسرائيل "نظام فصل عنصرياً"، وهناك كنائس في الولايات المتحدة اتخذت قرارات بسحب الاستثمارات ومقاطعة منتجات المستوطنات، بينما هناك دول عربية لم تتخذ هذه الموقف، أما كنائس جنوب أفريقيا والشرق الأوسط، فلديها تضامن أقوى مع المسيحيين.
نتمنى مواقف أقوى من الكنائس الأميركية والأوروبية تنتقل من الدعم الإنساني والمساعدات المالية إلى الضغط السياسي، مع جرأة أخلاقية في تسمية الأمور بمسمياتها، والمطالبة بمحاسبة إسرائيل على جرائمها، وموقف حاسم من الصهيونية المسيحية.
هناك من يقول إن هناك صحوة في الغرب تجاه الصهيونية المسيحية، واستخدامها إسرائيلياً غطاءً للاستعمار والإبادة، هل أنت متفائل؟
نشهد تحولات مهمة، خصوصاً بين الشباب، وفي الولايات المتحدة تشير استطلاعات الرأي إلى تغير واضح بعد حرب الإبادة على غزة، إذ أصبح الشبان أكثر دعماً للحق الفلسطيني، بينما الجيل الأكبر ما زال متأثراً بالفكر الصهيوني. هذا التغير دفع إسرائيل إلى استثمار مئات الملايين للتأثير على الكنائس، واستدراجها مرة أخرى إلى الصهيونية المسيحية، وتعزو الدراسات أسباب تراجع الصهيونية الدينية بين الشباب الإنجيليين إلى تصاعد قيم العدالة الاجتماعية، وتأثير الحرب على غزّة في تغيير الصورة عالمياً، إضافة إلى الحراك المسيحي الفلسطيني، ومن ذلك مؤتمرات "المسيح أمام الحاجز" التي تنظمها كلية بيت لحم للكتاب المقدس، والتي تهدف إلى حوار مع المسيحيين الإنجيليين، خصوصاً في الولايات المتحدة، حول البعد الأخلاقي لتعاليم المسيح، وتقديم فهم مسيحي نقدي للصهيونية المسيحية. لدينا أيضاً "معهد بيت لحم للعدل والسلام" الذي يقوم بدراسات ويعقد مؤتمرات، لكن رغم ذلك نحن مجموعة صغيرة وغير ممولة.
الصهيونية المسيحية موجودة بقوة في الولايات المتحدة حركةً سياسيةً ضاغطةً ممولةً، ولديها لوبي في البرلمان الأوروبي أيضاً، وهي تعادي الصوت المسيحي الفلسطيني، وفي إحدى المرات، دُعيت للحديث أمام البرلمان الأوروبي، لكن تم سحب الدعوة تحت ضغط تلك الجهات، لأنهم يخشون من صوت المسيحيين الفلسطينيين.
هل تعتقد أن معركة الفلسطينيين المقبلة ستكون مع الصهيونية المسيحية؟
فشلنا، بصفتنا مسيحيين، في فهم أهمية الرواية المسيحية، ولم ندرك أننا نحارب لحماية حقنا في الأرض الفلسطينية، بينما كانت إسرائيل تنشر روايتها في الغرب، وتشكّل مواقف سياسية ضدنا. لذلك يعد التواصل مع العالم الغربي ضرورة، ومفتاحه الكنائس، لأن الصهيونية تعتمد على أيديولوجيا دينية، ويجب تفكيكها. هذه معركة وجودية للمسيحيين الفلسطينيين، لأن الصهيونية المسيحية تضع وجودنا على المحك، وهي تمس صميم الإيمان المسيحي وتشوهه.
هل الرواية المسيحية الفلسطينية أصبحت أداة أساسية في مواجهة الصهيونية المسيحية بوصفها أيديولوجيا؟
هم مسيحيون، لكنهم يؤمنون بأفكار لا تتوافق مع الإيمان المسيحي، وبالتالي يجب تصويب هذا الفهم داخلياً. كثيرون من الصهاينة المسيحيين عندما يزورون فلسطين ويشاهدون ما نتعرض له يقولون: لم نكن نعرف. نتحدث عن عقود من احتكار الحركة الصهيونية وسائل الإعلام العالمية، حتى اليسارية منها. في السنوات الماضية، ظهرت وسائل إعلامية جديدة بسبب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ولم يعد هناك احتكار للإعلام، وصولاً إلى المؤثرين المستقلين الذين يساهمون في تفكيك الأيديولوجيا الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة والغرب بشكل عام.
هل تعوّل على هؤلاء المؤثرين لفضح الصهيونية المسيحية؟
المؤثرون أمثال تاكر كارلسون وكانديس أوينز ينشرون حالياً أفكاراً كنا نطرحها منذ سنوات، ويصلون بها إلى الملايين عبر البودكاست، وقد ساهموا بشكل كبير في قضيتنا من خلال تفكيك أيديولوجيا الصهيونية المسيحية. أول مرة تحدث كارلسون عن هذا الموضوع كانت في مقابلة معي عبر الإنترنت في إبريل/ نيسان 2024، وشكلت الحلقة صدمة في المجتمع الغربي، وشاهدها عشرات الملايين، وتواصل بعدها معي عدد من رجال الدين والنشطاء. عندما قرر كارلسون أن يخرج من إطار اليمين الذي يدعم إسرائيل الذي عاش فيه لسنوات، إختار أن يكون أول لقاء له مع رجل دين مسيحي فلسطيني، ما يؤكد أهمية الصوت، كون فلسطين من أكثر القضايا التي تشهد انقساماً في العالم المسيحي الغربي.
