ضغوط الاستيراد ترفع كلفة موائد التونسيين
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تتجاوز تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حدود الجغرافيا لتصل مباشرة إلى موائد التونسيين، حيث تمتد ضغوطها إلى إمدادات الغذاء والزراعة، في وقت ترزح فيه الأسواق تحت وطأة الغلاء، وسط مخاوف من مزيد من الإنهاك طويل الأمد لجيوب المواطنين ولا سيما مع تعثر المفاوضات بين الأطراف المتصارعة عقب إعلان هدنة لمدة أسبوعين بدءاً من الأربعاء الماضي. تعتمد تونس على استيراد جزء كبير من حاجياتها الغذائية، خصوصًا الحبوب، التي تغطي وارداتها نحو 75% من الاستهلاك المحلي، في ظل محدودية الإنتاج وتأثره بالجفاف. وتُعد هذه التبعية أحد أبرز عوامل هشاشة الأمن الغذائي، إذ يجعل أي اضطراب عالمي في الإمدادات أو الأسعار ينعكس سريعًا على السوق المحلية. ومع اندلاع الحرب قبل شهر ونصف الشهر، ارتفعت أسعار القمح عالميًّا، ليس بسبب توقف مباشر للإمدادات، بل نتيجة تعطل الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، خاصة عبر الممرات الحيوية. ويتمثل أحد أبرز تأثيرات الحرب في ارتفاع تكاليف النقل البحري، حيث تشير بيانات أممية إلى زيادة كلفة الشحن بنحو 18% منذ بداية الأزمة، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى ارتفاعات قد تصل إلى 30% أو أكثر بسبب تغيير مسارات السفن وارتفاع أسعار الوقود. وتنعكس هذه الزيادة مباشرة على كلفة توريد الغذاء إلى تونس، التي تعتمد بشكل شبه كلي على النقل البحري، ما يعني أن أي ارتفاع في كلفة الشحن يُترجم تلقائيًّا إلى زيادة في الأسعار المحلية. ويرى أستاذ الاقتصاد الكمي في جامعة تونس والباحث في السياسات الزراعية، حسام الدين الشابي، أن كلفة واردات مدخلات الإنتاج الزراعي تضغط على الإنتاج المحلي وتحدّ من قدرة التحكم في الأسعار، رغم مواصلة الدولة سياسة دعم المواد الغذائية الأساسية، ولا سيما الخبز والعجائن. وقال الشابي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن تونس بلد يعتمد بنسبة عالية على واردات القمح، ويستورد بدرجة أقل زيت الطهي والأسمدة الزراعية وبعض البذور، وهي مواد أساسية وحساسة لتحسين مستويات الأمن الغذائي، مؤكدًا أن ارتفاع كلفة وصولها بحريًّا إلى تونس قد يكون ثقيلًا، ما قد يفاقم مخاطر الغلاء على المدى المتوسط. ورجّح أن تمتد تداعيات ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي لفترات طويلة، بسبب تكبد الشركات العالمية المصنعة للمواد الأولية خسائر كبيرة. وفي المقابل، يرى الباحث التونسي أن هناك بعض العوامل المطمئنة التي قد تساعد على امتصاص صدمات الأسعار، من بينها اقتراب تونس من موسم حصاد الحبوب والخضراوات والفواكه. وقال: "سجلت تونس هذا العام تساقطات مطرية مهمة تساعد على تحقيق محصول وفير من الحبوب، وإعادة استغلال المناطق المروية التي تنتج الخضراوات والفواكه، ما يعزز إمكانيات الإنتاج المحلي ويقلص اللجوء إلى التوريد المكلف". وأشار إلى أن وفرة السلع المحلية من المنتجات الزراعية تقلص هوامش الاحتكار والمضاربة التي تخلقها ندرة السلع في أوقات الأزمات والحروب. وخارج تأثيرات الحرب، لم تسلم تونس في السنوات الأخيرة من موجات متتالية من ارتفاع أسعار الغذاء وندرة بعض المواد الأساسية، ما يدفع شرائح واسعة نحو دائرة الهشاشة الاجتماعية ويرفع مديونية الأسر. وتكشف بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن نسق تطور أسعار مجموعة المواد الغذائية ارتفع خلال شهر مارس/آذار الماضي بنسبة 6.8%، مقابل 6.7% خلال شهر فبراير/شباط. وأظهرت البيانات ذاتها أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت، باحتساب الانزلاق السنوي، بنسبة 6.8% خلال الشهر الماضي، ويعود ذلك في الأساس إلى ارتفاع أسعار الغلال الطازجة بنسبة 17.1%، والدواجن بنسبة 16.7%، ولحم الضأن بنسبة 14.3%، والأسماك الطازجة بنسبة 12.3%، ولحم البقر بنسبة 10.8%، في المقابل تراجعت أسعار الزيوت الغذائية بنسبة 7.3%. وفي تونس، يكتسي هذا الارتفاع حساسية خاصة، إذ إن المواد الأساسية مثل الخبز مدعومة من الدولة، ما يعني أن أي زيادة في الأسعار العالمية ستضغط على ميزانية الدعم، كما يضع غلاء الغذاء السلطات أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وضبط المالية العمومية. وفي مواجهة هذه التحديات، تعتمد السلطات التونسية جملة من الإجراءات، أبرزها مواصلة دعم المواد الأساسية، خاصة الحبوب والخبز، وتعقب المضاربين والمحتكرين في الأسواق. والأحد الماضي، أعلنت وزارة الداخلية في بلاغ تنفيذ حملات مراقبة واسعة النطاق للأسواق، أسفرت عن توقيف 15 تاجرًا وتحرير مخالفات اقتصادية ضدهم. وقالت الوزارة في بيانها إن "هذه العمليات لن تكون ظرفية، وستعمل بكل إصرار على تجسيد سياسة الدولة الدائمة الرامية إلى حماية القدرة الشرائية للمواطن ومنع التلاعب بقوته وتحقيق الأمن الغذائي للمجتمع". ويرى خبراء أن تونس، بوصفه اقتصاداً هشًّا نسبيًّا، تظل عرضة بشكل كبير للصدمات الخارجية، خاصة في قطاع الغذاء، حيث يؤدي أي ارتفاع في الأسعار أو اضطراب في الإمدادات إلى تأثير مباشر على القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية