ضيوف مزرعة نتنياهو وعمّالها 
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يذهب لبنان الجديد، لبنان جوزاف عون ونوّاف سلام، إلى التطبيع حافيَ القدمَين، مبتدئاً من حيث انتهت ما توصف بأنّها "السلطة الوطنية الفلسطينية"، إذ يفتتح لبنان الرسمي الطريق الوعرة بإعلان حالة خصومة تقترب من العداء مع مشروع المقاومة الوطنية، تتجلّى هذه الحالة في كيل الاتهامات بالجملة لمن يبذلون الدم والنفس حمايةً للجغرافيا والتاريخ، كما تتخذ أشكالاً أخرى، من السخرية النابية إلى الاستدعاء المقصود للطائفية، عناصر في صراع ليس من المفترض أن يكون موجوداً في الأصل. السلطة الفلسطينية المحبوسة في مبنى محاصر داخل رام الله لم تذهب إلى أحضان التنسيق الأمني مع الاحتلال والقطيعة مع المقاومة دفعةً واحدة، بل استثمرت، في البداية، في بقاء بندقية فلسطينية بيد مقاومين فلسطينيين في تكوين بعض أوراق التفاوض قبل الذهاب إليه، ثم استدارت لتطعن هذه المقاومة في القلب وتختار دفء العلاقة مع العدو. في الحالين، سواء كانت القطيعة مع المقاومة والكفاح المسلّح بداية أم نهاية، لا يشبع الصهيوني ويطلب دائماً المزيد، وفي المشهد اللبناني لم يعد المطلوب من الثنائي عون – سلام منحصراً في تجريد حزب الله من السلاح وطرده من جغرافيا الجنوب المحتلّ، وحذف مفردة المقاومة من قاموس لبنان، بل المعلن الآن نفي حزب الله سياسياً ومصادرة أمواله وإغلاق مؤسّساته الاجتماعية والعلمية وإدراجه في لائحة الإرهاب بموجب قرار لبناني رسمي، وذلك كلّه قبل أن ينعم الصهيوني بالمصافحة الأولى للقيادة اللبنانية. يصل التنكّر للمقاومة اللبنانية التي حرّرت لبنان من الاحتلال إلى حدّ اتهامها بأنّها كانت السبّاقة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، حين وافقت على التفاوض تحت النار من أجل انسحاب العدو، ويستظرف أحدهم أو يرتدي قفّاز السماجة ويتساءل في تهتك: ما الفرق بين التفاوض تحت النار أو فوقها؟ ثم يتوصّل إلى أنّ "كلّه تطبيع"، هكذا مرّةً واحدة يبصقها في وجه مشاهديه، ثم يستبسل في الدفاع عن قرار السلطة الرسمية باختيار الوصال مع العدو والخصام مع الفصيل الوطني المقاوم، الذي اكتشف الجميع فجأةً أنّه ينتمي، في معظمه، إلى الطائفة الشيعية... يا لهول الاكتشاف! ثم يبني على اكتشافه المذهل اصطفافاً طائفياً دعماً للاقتراب من العدو، الذي لم يعد يسمّى عدوّاً، والابتعاد عن المقاومة، التي لم تعد تسمّى مقاومة. مؤلمٌ وصادمٌ أنّ لبنان الذي كنّا نحسبه النموذج في الديمقراطية والتنوّع الطائفي يتشظّى فجأةً إلى قبائل مذهبية وطائفية تشتبك حول مشروع انتحار وطني يندفع نحو التطبيع من دون أيّ أوراق قوة يمكن ترجمتها إلى مكاسب للوطن كلّه، بتنوّعه واتساعه، إذ تتأسّس المواقف من مسألة التطبيع على قاعدة الاحتشاد الطائفي، فإذا كان الشيعي مع الكفاح المسلّح وضدّ التطبيع، فليلعن السنّي هذا الكفاح ويهتف لمسار التطبيع، وكذلك يفعل المسيحي، فقط لأنّ من اختار هذا المسار هو رئيس الحكومة "السنّي" ورئيس الجمهورية "الماروني"، وهكذا يرتدّ لبنان إلى مرحلة ما قبل اتفاق الطائف (على هشاشته وتقسيماته الطائفية)، وهي مرحلة كان لبنان كلّه خلالها يتوجّع في جحيم الاحتراب الأهلي. يحدث ذلك كلّه فيما انتقل نتنياهو من الكلام عن شرق أوسط تريد إسرائيل الهيمنة عليه وإدارته بمعرفتها إلى ممارسة هذه الإدارة فعلياً، ومخاطبة العالم إنّ على من يريد التعامل مع الشرق الأوسط أن يحصل أولاً على موافقة تل أبيب وإذنها، على نحو ما فعله نتنياهو، إذ يصبّ غضبه على رئيس وزراء إسبانيا لمطالبته الاتحاد الأوروبي بتعليق الاتفاق التجاري مع إسرائيل، ويتوعّده بالعقاب قائلاً: "إسرائيل لن تصمت أمام من يهاجمونها، ومن يعملون ضدّ إسرائيل لن يكونوا شركاءنا في مستقبل المنطقة". هكذا، في العقل الصهيوني صار الشرق الأوسط منطقة نفوذ وسيطرة، وكما ظهر مبكّراً في ذروة التوحّش الإسرائيلي الأميركي على غزّة ولبنان، في الوقت الذي تشكو فيه دول عربية من لوعة الحرمان من الغاز الطبيعي القادم من إسرائيل، فإنّها باتت تسلك وكأنّها المالك الحصري لمنطقة الشرق الأوسط، والمتحكّم فيه سياسياً واقتصادياً، وعلى دول المنطقة أن تعي ذلك وتلتزم به، أو فلتغادر الجغرافيا ولتشطب نفسها من الإقليم، ومن يتمرّد على هذه الوضعية الجديدة سوف يعاقب، إذ يشدّد الخطاب الإسرائيلي في عمومه على أنّه لا هوادة مع من يتحدّى ذلك، ولا فرق هنا بين ما يصدر عن حكومة يمينية متطرّفة تهدّد لبنان بالفناء، أو عن معارضة يعبّر عنها  بيني غانتس بالقول: "إذا لم نرد بقوة ضدّ الدولة اللبنانية فإنّنا سنعود إلى مرحلة المعادلات. في هذا الواقع المخيف يهرول لبنان الرسمي وحيداً، وبكلّ سعادة، صوب العدو، بحثاً عن وظيفة في مزرعة بنيامين نتنياهو، أو فيما كان يسمّى "الشرق الأوسط" سابقاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية