يمن ديلي نيوز – تقرير رصد: أثارت حادثة انتحار فتاة عشرينية في مديرية المحابشة بمحافظة حجة (شمال غربي اليمن) رفضت إعادتها إلى بيت زوجها، موجة حزن واسعة في الأوساط اليمنية، وتفاعلاً على منصات التواصل الاجتماعي، سلط الضوء على حقوق المرأة وقصور التشريعات وظلم المجتمع.
ويوم أمس تداول اليمنيون على نطاق واسع فيديو لفتاة في محافظة حجة وهي تلقي بنفسها من سطح منزل والدها المكون من ثلاثة أدوار في محافظة حجة، بعد أن أجبرها والدها على تنفيذ حكم قضائي يقضي بعودتها إلى بيت زوجها الذي غادرت منزله بعد شهر من الزوج وترفض العودة إليه.
الحادثة دفعت كبار المدونين اليمنيين “كتاب – صحفيون – حقوقيون – مدونون – فنانون – أكاديميون” للإدلاء بآرائهم حول هذه الحادثة التي أوجعت اليمنيين، طارحين جملة تساؤلات للمجتمع ولزوج الفتاة ووالدها وللقاضي الذي أصدر الحكم، وللتشريعات التي لم تتح لهذه الزوجة حرية الاختيار.
تحري الدقة
“يمن ديلي نيوز” رصد سلسلة من الآراء والبداية مع الصحفي الاستقصائي عيسي الراجحي، المنتمي لمحافظة حجة، والذي تحقق من الحادثة قائلا: بعد أن تحولت حادثة فتاة المحابشة بمحافظة حجة إلى ترند على مواقع التواصل الاجتماعي قمت بالتواصل والتحري مع مصادر موثوقة من جيران الأسرة وأقاربها للوصول إلى الحقيقة بعيداً عن الشائعات.
وأضاف: القصة موجعة فتاة في العشرينات من عمرها نشأت في ظروف أسرية معقدة بين أم مطلقة وأب متزوج. ورغم ذلك أكملت دراستها في المجال الصحي وحفظت القرآن الكريم وكانت تسعى لحياة مستقرة.
قبل ثلاثة أشهر قام والدها بتزويجها – يقول الراجحي – لكن خلافات زوجية دفعتها للعودة إلى منزل والدها رافضة الرجوع إلى بيت الزوج.
لاحقا تعرضت الفتاة لضغوط متكررة لإجبارها على العودة وكانت تشتكي لصديقاتها من وضعها ومن شعورها بعدم الأمان ومع الوقت تدهورت حالتها النفسية ودخلت في حالة اكتئاب حاد دون أن تجد الاحتواء الكافي حتى انتهى بها الأمر إلى إنهاء حياتها بطريقة مأساوية..
هذه مأساة إنسانية تكشف حجم الألم الصامت داخل بعض البيوت وخطورة تجاهل الصحة النفسية والضغط على الأبناء دون الاستماع لهم..
وقال الراجحي: ما حدث يذكرنا بأن الأسرة ليست مكانا للفرض والقهر بل مساحة للأمان والدعم. وكلما كانت الأسرة قريبة ومتماسكة قادرة على الحوار والاحتواء كان بإمكانها أن تنقذ حياة قبل أن تتحول إلى حكاية مؤلمة بعد فوات الأوان.
مأساة إنسانية
ويعلق الحقوقي اليمني عبدالرحمن برمان بالقول: ما حدث لهذه الفتاة في المحابشة بمحافظة حجة ليس مجرد حادثة فردية، بل هو مأساة إنسانية مؤلمة تكشف حجم المعاناة التي قد تواجهها بعض النساء في ظل غياب الحماية والاختيار الحر.
وأضاف: فتاة لم يمضِ على زواجها سوى شهر، وجدت نفسها مكرهة على العودة إلى حياة لم تعد ترغب فيها، رغم حالتها النفسية الصعبة وحملها، ووسط ظروف أسرية معقدة. وبين ضغوط الأسرة وقرار قضائي يلزمها بالعودة، لم تجد أمامها مخرجًا سوى خيار مأساوي أنهى حياتها.
وتابع: هذه الحادثة تطرح تساؤلات جوهرية حول، حق المرأة في القبول أو الرفض في الحياة الزوجية، ودور القضاء في مراعاة البعد الإنساني والنفسي عند إصدار الأحكام، ومسؤولية الأسرة في حماية بناتها لا الضغط عليهن، والحاجة الملحّة إلى تعزيز آليات الحماية والدعم للنساء في الأزمات.
وأردف: الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الكرامة الإنسانية وحرية الاختيار، يجب أن تكون مصونة دائمًا، وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الوطنية والتشريعات الدولية التي صادقت عليها اليمن ولا يجوز تجاهلها تحت أي ظرف.
وأشار إلى أنها ذهبت إلى بيت ابوها بعد خلاف مع زوجها، مشيرا إلى أن البنت حامل وامها مطلقة.
لجاء الزوج إلى المحكمة وأصدر القاضي قرار يقضي بإعادتها إلى زوجها غصباً، عاد الاب وأخبر ابنته بقرار القاضي وأن عليها العودة إلى بيت زوجها، صعدت البنت ألى سطح المنزل والقت بنفسها وتوفيت.
شعب حزين
أستاذ الإعلام في جامعة إقليم سبأ الدكتور يحيى الاحمدي من جانبه قال: الشعب حزين على هذه الفتاة! مع أنه الشعب ذاته الذي لا يزال متماشيا مع قول: “المرأة، أعزكم الله”.. “المرأة ..الله يصونك.” “المرأة ناقصة.. “المرأة عورة، وصوتها عورة..”.
وقال: المجتمع الحزين هو ذاته الذي يرى في أن المرأة آخر من يتحدث، وآخر من يسأل، وآخر من يُعطى، وآخر من يُستشار.
المرأة القوية
مراسل قناة الجزيرة في سلطنة عمان، سمير النمري، من جانبه قال: المرأة أقوى من الرجل بمئات المرات، وتتحمل أصعب الظروف النفسية التي لا تتحملها سوى جبال، وحين تختار الانتحار طريقا للنهاية أعلم أنها وصلت إلى حد من الانكسار الداخلي لا يُرى بالعين، بل يتراكم بصمتٍ حتى ينهار كل شيء دفعة واحدة.
وتابع: وصلت إلى نقطة لم تعد فيها قادرة على الاحتمال، رغم أنها ظلت طويلا تُقنع نفسها بأنها تستطيع. مردفا: أسوأ ما يمكن أن تصل إليه المرأة أن تُخير بين زوج لئيم ظالم غدار، وبين أهل جبناء لا يهمهم سوى المال وخوف من عادات قبلية قذرة، فتختار لنفسها الرحمة من العذاب.
وقال: كلنا ندرك تماماً ما تعانيه النساء في اليمن، كل قرية فيها قصة أو قصص مؤلمة، ويزيد من ذلك غياب الدولة، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة.
كيف يعود؟
من جانب المصور الصحفي ،سليمان النواب، علق قائلا: بمناسبة البنت التي رمت بنفسها من سطح بيتها لأن القاضي حكم على أبوها بإرجاعها إلى بيت زوجها، عندي وجهة نظر في موضوع الزواج والمصاهرة.
وأدرف: أنا لا أستطيع أن أتردد على بيت قيل لي إنهم لن يزوجوني، ولا أحب أن آتي بوجاهة من أجل إقناع أبو البنت التي أريدها أن يزوجني. أستغرب من البعض الذي يتردد على بيت ما مرة ومرتين وثلاث من أجل إقناعهم أن يزوجوه، وكأن ما في الدنيا غيرها. لا أحد يقول الحب، الكرامة أولاً.
وأردف: أتساءل دائمًا كيف لرجل أن يمد يده على زوجته ويضربها أو يلطمها أو حتى يهددها بالضرب، وكيف لزوج لا يطلق وزوجته تطلب منه ذلك، خاصة إذا وصل الأمر إلى المحاكم والقضاء؟
واختتم: أستغرب أيضًا من الذين يعلقون الطلاق ويرفضون أن يطلقوا من أجل معاقبة نسوانهم، هذا شيء لا يقوم به إنسان سوي وذو مروءة وكرامة وشهامة.
تساؤلات
وتساءل الناشط عبدالرحمن النويرة: إيش شعورك الآن يا والد هذه الفتاة المقهورة اللي كسرت بنتك وسديت باب الأمان في وجهها بعدما لجأت لك وأنت أرجعتها للجحيم بيديك؟ وأنت أيها الزوج: ارتحت الآن؟ شعرت إن رجولتك اكتملت بإرجاع زوجتك غصبا عنها؟ افتهنت الآن؟
كما وجه تساؤلاً للقاضي الذي أصدر حكم إرجاعها قائلا: وأنت يا قاضي؟ كيف شعورك الآن بعد الحكم اللي حكمت بإرجاع زوجة لزوجها دون أن تسمع رأيها وصراخها…
وأردف مخاطبا زوجها: بالله إيش العظمة هذه فيك اللي خلت زوجتك تختار الموت ولا تشوف وجهك وهذا كله خلال شهر بس؟ كيف قدرت؟ شهر واحد فقط من الزواج، وحامل بروح بريئة، اختارت الموت ورمت نفسها على أن تعود للجحيم اللي نجحت في صناعته لها بشهر واحد بس.
وتابع: مستوعبين فداحة ما وقع؟ هل الواقعة هذه يمكن تصحي بعض الآباء والأزواج وتصحي المجتمع من الظلم اللي يحصل أمامه وهو مش بس ساكت عنه.. بل يمارسه كل فرد منهم بطريقته…قهر الكون كله في هذا القصة والله المستعان.
المرأة كملكية خاصة
إلى ذلك قالت الدكتورة الفت الدبعي: عندنا يتم التعامل مع المرأة كملكية خاصة للأب أو الزوج والقاضي جاني يصبح الموت هو الملجأ.
وتابعت: وأنا أشاهد فيديو البنت في حجة وهي تقفز من سطح منزلهم لتهرب من حالة الإجبار التي أرادها لها الأب والزوج والقاضي الظالم في حجة والمجتمع الاكثر ظلما واصرارهم على بقاءها تحت وصاية طاعة الاستبداد الأسري وإعادتها لزوجها قهراً وهي غير راغبة به أصابني الذعر وأنا أتخيل كيف استطاعت هذه الفتاه أن تضحي بنفسها!؟
وأردف: شعرت بحجم قسوة الواقع الذي لا يزال يعتبر المرأة في مجتمعنا ملكية خاصة لا إنسانا ذا إرادة مكتملة وتأملت في حجم سقوط منظومة الاخلاق التي تدعي الوصاية وهي لا تملك الا الاستبداد.
وواصلت: جناة كثر الذين قتلوا هذه الفتاة، ابتداء من الاب والزوج الذين اعتبروها ملكية خاصه دون أي إراده لها وانتهاءً بالقضاء الذي تغيب فيه التشريعات الضامنة لحقوق النساء ومروراً بغياب السلطة التشريعية الضامنة لحقوق النساء إلى خطباء المساجد الذين كل يوم يعززون الاستبداد الاجتماعي بنشر مفاهيم جاهليه في التعامل مع النساء.
واستطردت: لا يمكن لليمن أن يتعافى ولا لأي مجتمع أن ينهض وهو ما يزال يتعامل مع المرأة كملكية خاصة أو رعية لا كمواطنة، لأن ثقافة القهر التي ما تزال تعشعش في كثير من العقول اليمنية هي السرطان الذي ينهش في جسدنا الوطني، ولا يمكن لنا أن نتحدث عن سيادة وطن وهناك من لا يزال لا يعطي المرأة حق السيادة على قرار القبول بزواجها والشخص الذي ترتبط به.
وأضافت: المجتمع الذي تضطر المرأة إلى التضحية بحياتها من أجل أفكار جاهلية هو مجتمع يحتاج النظر بمنظومة القيم التي يمتلكها ومفاهيم الدين التي يستند إليها بعض القضاة ليطلقوا أحكامهم الجائرة.
وتحدثت عن الحاجة إلى مواجهه صريحة وقوية مع مفاهيم التدين التي اضرت بقيم الإنسانية وشكلت ثقافة اجتماعية ظالمة تحت شعار التدين المغلوط الذي لا يخدم إلا المصالح الاجتماعية والشخصية للذكور، وهو تدين لا يعرف من الله إلا العقاب ومن القيم إلا المنع متجاهلاً أن جوهر الدين هو في قيم العدل والحرية.
الموت ولا العودة
الكاتب الصحفي ماجد زايد من جانبه كتب: ألقت بنفسها من السطح، وتخلصت من حياتها، فتاة يمنية تختار الموت على العودة لزوجها. -بحسب ما ورد- هربت هذه الفتاة من بيت زوجها بعد زواجها بشهر، ذهبت إلى بيت أسرتها، بينما كانت حامل بطفلها، ثم رفضت العودة لزوجها، ليحكم أحد القضاة على والدها بأن يعيدها، وبالفعل حاول إرجاعها غصبًا، فرفضت، ثم صعدت إلى سطح المنزل وألقت بنفسها وجنينها، واختارت نهايتها بنفسها. المأساة في حكاية هذه الفتاة ليست في الموت وحده، بل في الحياة التي أرادوا إرغامها عليها.
وقال: لقد انتزعوا حق الفتاة في الرفض، في اختيار الحياة، في الرضى والقبول، أرغموها فقط على القهر والغصب والانصياع، كتأكيد مخيف على طبيعتنا اليمنية الظالمة والقاسية والمتحجرة. لا يجوز بكل الأعراف إبرام الزواج بدون الرضى الكامل والحر، الاختيار الحر في الحياة الشخصية هو أساس الكرامة الإنسانية، وأي إكراه يفقد الإنسان حريته الضرورية، هذه الفتاة سلبوا منها حقها ووضعوها أمام القهر الصامت والنهاية الأرحم، لم يكن أمامها سوى تفضيل الرحيل على الانصياع للظلم والقهر والإرغام، رحمة الله عليها.
خلل قانوني
الناشط والمدون كامل الخوذاني من جانبه قال: لا أدري لماذا يحمل الزوج أو الاب تهمة الجرم. لجأ الزوج الى القانون، ووقف الاب بجانب ابنته حتى وصل الامر للقضاء. النتيجة وقف القضاء والعرف بجانب الزوج وما على الاب والزوجة الا التنفيذ.
وأردف: الزوجة هنا لا محل لها من الاعراب. مجرد سلعة، القانون اليمني، القضاء، الأعراف، التقاليد، سوف يقول البعض الشريعة والدين. لكنهم يتجاهلوا أن الشرعية والدين تنص على تسريح بمعروف او امساك بإحسان. لا بالقوة ولا بالإرغام..
وقال: لدينا خلل انظمة وخلل قوانين تقف بكل بنودها ولوائحها ضد المراءة، لا قرار لها لا كلمة لها.. يستطيع الرجل إن عافها تركها بكلمة واحدة، لكنها مجبرة على البقاء تحت سطوته ان عافته رغم انفها.
من جانبه الفنان عبدالكريم الشهاري قال: حادثتي إنت#حار في يومٍ واحد تقريبا.. واحدة في اليمن، والأخرى في مصر… مشهد مؤلم ومقلق.. الوصول بالإنسان، وخصوصًا الفتاة إلى هذه المرحلة يعكس حجم المعاناة والضغوط التي قد لا تُرى.
وتابع: لا شك أن الإقدام على هذا الفعل خطأ جسيم، لكن من تسبب في دفعها إلى هذا الحد بظلم وتسبب في ذلك، فقد ارتكب أيضا خطأً عظيمًا، وخطيئة في حق نفسه قبل غيره.
ظهرت المقالة فتاة المحابشة تشعل حزناً واسعاً في اليمن وتتصدر منصات التواصل الاجتماعي (رصد) أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.