عربي
لم تكن رحلة "النور المقدس" من كنيسة القيامة في القدس المحتلة إلى رام الله رحلة سلسة، كانت كما يقول الفلسطينيون المسيحيون في رام الله، رحلة تعبر عن الإرادة في تحدي قيود الاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى الفرح بأحد أهم المناسبات الدينية "سبت النور" الذي يمثل ختام أسبوع الآلام والصوم الكبير، فرحة كانت مختلفة في ظل الاحتفالات التي تقام لأول مرة منذ حرب الإبادة على غزة.
وصل "النور المقدس" عبر مركبة قادمة من القدس إلى دوار المنارة مركز مدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، لتنتقل شعلته من شمعة إلى أخرى، وصولاً لكل من قدم إلى وسط رام الله للاحتفال. لكن وصوله كان بمثابة تحدٍ لتلك القيود والانتهاكات الإسرائيلية بحق حرية العبادة، فتشارلي سليمان دار يوسف من مجموعة كشافة سرية رام الله الأولى والذي رافق النور المقدس من القدس إلى رام الله، بدأ يشعل شموع الأطفال والكبار الواقفين على جانبي الطريق من مجموعة شموع مزينة بالورود يمسك بها قائلاً لكل من يعطيه شعلة: "هذا النور وصل بصعوبة إلى هنا".
يقول دار يوسف لـ"العربي الجديد"، إن "جيش الاحتلال كان قد وضع حواجز كثيرة وصعوبات عديدة أمامهم، منعهم من الوصول إلى الباب الجديد وهو أحد أبواب البلدة القديمة، لكنهم رغم كل شيء أحضروا النور ومعه الفرح إلى رام الله".
ويقول راعي طائفة الروم الأرثوذكس في رام الله الأب إلياس عواد لـ"العربي الجديد": "تحدينا كل القيود، ونريد أن نحتفل ونحن مستمرون صامدون في هذا البلد، يتجمع أبناء شعبنا على المحبة، هذا النور الساطع هو للسلام والمحبة ولدحض الظلام والاحتلال".
وتوزع الناس على جانبي عدد من شوارع رام الله، انطلاقاً من دوار المنارة في انتظار وصول النور المقدس، كل يحمل معه شموعاً جاهزة للإنارة، بعضهم تعمد جمع عدد من الشموع مع بعضها، وآخرون وضعوا شموعهم داخل فوانيس، ليبدأ النور في الانتقال من شخص إلى آخر بعد وصوله إلى رجال الدين.
وشهدت المراسم انطلاق مسيرة الفرق الكشفية التقليدية انطلاقاً من كنيسة الروم الأرثوذوكس في البلدة القديمة لرام الله، وصولاً إلى دوار المنارة، حيث قدمت الفرق من مدينة رام الله ومن قرى وبلدات ومخيمات في محافظة رام الله والبيرة، بغض النظر عن الانتماء الديني لها ولأعضائها. وكما هو حال المسيرة الكشفية، فإن المتجمهرين على جوانب شوارع رام الله ابتهاجاً بالعرض الكشفي وانتظارًا لوصول النور، كانوا من المسيحيين والمسلمين كذلك، في مشهد يعبر عن التآخي ووحدة النسيج الاجتماعي.
يقول أبي العابودي المدير التنفيذي لمركز بيسان للبحوث لـ"العربي الجديد" والذي قدم مع أطفاله للاحتفال، إن "هذه الاحتفالات جزء من النسيج الثقافي والاجتماعي والديني الفلسطيني". ويرى العابودي أن هناك أهمية كبيرة لعودة الاحتفالات هذا العام بعد انقطاع إثر الإبادة الجماعية في غزة، للتأكيد على الطابع الاجتماعي والترابط المجتمعي الفلسطيني، وكذلك معانٍ أخرى ذات سياق فلسطيني بجوهرها، حيث تنطلق الاحتفالات من مدينة القدس بتحدٍ للقمع الصهيوني فيها، مشيراً إلى قمع شرطة الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس للكشافة المقدسية المسيحية التي كانت خارجة لاستقبال النور.
ويقول العابودي: "نحن الشعب الفلسطيني كلنا نسيج واحد، المسيحيون الفلسطينيون لم يحتفلوا بأي من أعيادهم طوال ثلاثة أعوام ماضية والإبادة مستمرة في قطاع غزة، أي اقتصرت فقط على الشعائر الدينية، هذا العام هناك فسحة من المجال ليحتفل الناس، فقرروا الخروج والاحتفال للتأكيد على هذا الترابط والامتداد التاريخي".
ورغم عودة الاحتفال إلا أنها فرحة منقوصة كما تصفها رائدة بطرس مصطلحة القادمة مع عائلتها من أريحا شرقي الضفة الغربية للاحتفال بسبت النور في رام الله، ملمحة لـ"العربي الجديد"، إلى الأوضاع في غزة ولبنان وكل فلسطين، قائلة إنها تتأمل خيراً بأن تكون الأعياد فاتحة خير.
واختارت عائلة مصطلحة رام الله للاحتفال لعدة أسباب، أهمها حرمان سلطات الاحتلال العائلة كما سائر العائلات من الحصول على تصاريح للوصول إلى مدينة القدس والاحتفال هناك فهي محرومة من الوصول إلى القدس منذ أربع سنوات، أما السبب الآخر فهو أن الأعياد في رام الله موحدة بين الطوائف المختلفة. تقول مصطلحة: "كل منطقة رام الله وقراها موحدة على الطقس الشرقي، ونحن نحتفل بالعيد معهم على الطقس الشرقي، هنا الكل يحتفل في اليوم ذاته من لاتين وروم وكل الطوائف". مضيفة: "شعور استقبال النور القادم من القدس لا يوصف، نحن كمسيحيين نعتبر أن هذا هو نور المسيح، قد عمّ على كل العالم، ويعني السلام، وفرحة الأطفال، وفرحة العالم، ونتمنى السلام والخير لكل العالم".
من جانبه، يحاول لبيب اللدعة (78 عاماً)، المهجر من يافا في عام 1948 أي سنة ميلاده، والمقيم في رام الله إيصال فكرة ومعنى احتفالات سبت النور في حديثه مع العربي الجديد، قائلاً: "إن أهمية هذا اليوم تكمن في إعلانه أنه لا يوجد موت، بل حياة، قائلاً: "مهما صلبوا السلام والأمان، هناك قيامة للسلام". ورغم أنه لم يزر القدس منذ خمس سنوات بعد أن أعاده الاحتلال من حاجز قلنديا كما قال، إلا أنه يؤكد أن الاحتفال بالقدس وخروج النور من القدس هو "انتصار وحضور أصيل للمسيحي الفلسطيني الذي يمتد بجذوره في هذه الأرض، وليس قادماً من بلاد غريبة".
ومنعت قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم السبت، آلاف المسيحيين من المشاركة بإحياء سبت النور في كنيسة القيامة بمدينة القدس، وذلك بالتزامن مع إجراءات مشددة قلصت أعداد المشاركين بشكل ملحوظ، ورغم ذلك خرج النور من كنيسة القيامة وصولاً إلى مدن وبلدات الضفة الغربية وكذلك إلى العالم.
من جانب آخر، احتفلت الكنائس المسيحية التي تسير حسب التقويم الشرقي في مدن بيت لحم، وبيت ساحور، وبيت جالا، اليوم السبت، بسبت النور، وفي مدينة بيت ساحور، استُقبل النور وسار به المحتفلون، في اتجاه كنيسة الآباء الأجداد للروم الأرثوذكس، كما تم استقبال النور في مدينة بيت جالا، وتوجه المحتفلون إلى كنيسة العذراء للروم، ومن ثم إلى دير الروم، وسط احتفالات كبيرة وعروض كشفية في باحة الكنيسة.
وتم استقبال النور المنبثق من كنيسة القيامة، وانطلقت "زفة النور" تتقدمها المجموعات الكشفية، وصولاً إلى ساحة المهد، ثم إلى داخل كنيسة المهد، وهناك أقيمت صلاة خاصة، وأضاءوا الشموع والقناديل، استعداداً للبدء بإقامة القداديس الاحتفالية بعيد الفصح الذي يحل يوم غد الأحد.

أخبار ذات صلة.
فتحي الجبال: مباراة النصر لم تكن ضمن أهدافنا
الشرق الأوسط
منذ 28 دقيقة
الاتحاد يحيي ليلة جماهيرية بنكهة آسيوية
الشرق الأوسط
منذ 29 دقيقة