عربي
نظم مئات المواطنين والنشطاء وممثلي منظمات المجتمع المدني في العاصمة تونس، اليوم السبت، مسيرة ضد تصاعد خطابات الكراهية والتمييز، خاصة ضد المهاجرين من دول أفريقيا وجنوب الصحراء والتونسيين من ذوي البشرة السوداء، وانطلقت المسيرة من أمام مقر النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، استجابة لدعوات أطلقتها جمعيات ومنظمات حقوقية وأحزاب سياسية، للتنديد بما وصفوه بـ"تغوّل الخطاب العنصري" في الفضاء العام، والمطالبة بتفعيل القوانين المجرّمة للتمييز.
ورفع المشاركون شعارات تطالب بإنهاء التحريض ضد المهاجرين، واحترام الكرامة الإنسانية، وتطبيق القانون رقم 50 لسنة 2018 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، معتبرين أن هذا النص ظلّ في جانب كبير منه دون تفعيل فعلي. كما عبّر المحتجون عن رفضهم ما وصفوه بـ"سياسات شيطنة المهاجرين" وتحويلهم إلى كبش فداء للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدين أن تونس عرفت تاريخياً بتنوعها وانفتاحها، وأن ما يحدث اليوم يمثل تراجعاً عن هذه القيم.
تأتي المسيرة في ظل مناخ مشحون بتصاعد خطابات الكراهية، التي استهدفت بشكل خاص المهاجرين الأفارقة والتونسيين السود، خاصة بعد تشديد السياسات المرتبطة بالهجرة. وقالت رئيسة جمعية النساء الديمقراطيات المحامية هالة بن سالم إن السياق العام يتسم بتصاعد الممارسات العنصرية وأشكال التمييز بين البشر على أساس اللون بسبب الخطاب التحريضي الرافض وجودَ مهاجري دول جنوب الصحراء في تونس، مؤكدة لـ"العربي الجديد" أن الخطاب العنصري بات يطاول التونسيين المدافعين عن المهاجرين والنشطاء المدنيين، وهو ما يمكن أن يقوض مجهود عقود من بناء قيم التعايش المجتمعي السليم.
وأشارت بن سالم في سياق متصل إلى تعرض الناشطة الحقوقية سعدية مصباح إلى ممارسات عنصرية حتى داخل سجنها، وفق ما صرحت به لمحاميها على خلفية دفاعها عن قضايا العنصرية. وأضافت: "لم يعد الخطاب العنصري يقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى ممارسات ميدانية عنيفة وسياسات رسمية، ما أدى إلى تنامي المخاوف من ترسّخ "عنصرية مؤسساتية" داخل المجتمع.
وكانت قضية الناشطة الحقوقية سعدية مصباح حاضرة بقوة في شعارات المسيرة اليوم، فقد طالب المشاركون بالإفراج عنها وإيقاف ما وصفوه بـ"تجريم العمل الحقوقي". وتُعد مصباح من أبرز الوجوه المناهضة للعنصرية في تونس، وقد حُكم عليها في مارس/آذار 2026 بالسجن مدة ثماني سنوات، في قضية أثارت جدلاً واسعاً داخلياً ودولياً، واعتبرتها منظمات حقوقية على غرار "أمنستي" استهدافاً لنشاطها في الدفاع عن حقوق الأقليات والمهاجرين.
واعتبر المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر أن التحرك ضد العنصرية يأتي ردّةَ فعل على ما وصفه بـ"تطبيع خطير مع العنصرية". وقال بن عمر لـ"العربي الجديد" إن السلطات تتحمل جزءاً من مسؤولية تنامي الممارسات العنصرية في الفضاء العام وشبكات التواصل الاجتماعي بسبب الخطاب السياسي والإجراءات المرتبطة بملف الهجرة، والتي ساهمت في تأجيج التوترات، مضيفاً أن المسيرة توجه رسالة واضحة مفادها أن جزءاً من المجتمع التونسي يرفض الانزلاق نحو خطاب الكراهية، ويتمسك بمكاسب الثورة في الحرية والكرامة، داعياً إلى حماية الفئات الهشة وضمان حقوقها، بعيداً عن أي تمييز قائم على اللون أو الأصل.
في المقابل، شدد المشاركون على أن مواجهة العنصرية لا تقتصر على الاحتجاج، بل تتطلب إصلاحات تشريعية وتربوية وثقافية عميقة، تعيد الاعتبار إلى قيم المواطنة والمساواة.
وقبل أسبوعين، شهدت العاصمة تونس تحركاً احتجاجياً نظمه نشطاء مدنيون ضد ما وصفوه بـ"توطين "المهاجرين السريين، مع مطالبات بتنظيم قانوني لإقامة مهاجري دول أفريقيا جنوب الصحراء، تحت شعارات رافضة كلَّ أشكال توطين المهاجرين في تونس، ومطالبة الدولة برفض أي اتفاقيات أو ترتيبات قد تؤدي إلى استقرار دائم للمهاجرين.
