يواجه عشرات النازحبن في مديرية الشمايتين، جنوبي محافظة تعز، تحديات كبيرة في سبيل الحصول على فرص عمل مستقرة، إذ يمثل العمل الركيزة الأساسية لدعم الأسر اقتصاديًا ونفسيًا، ومساعدتها على التأقلم مع ظروف النزوح القاسية.
وأجبرت الحرب والصراع الدائر في البلاد منذ العام 2015 ملايين اليمنيين على النزوح الداخلي، حيث يوجد نحو 4.5 مليون نازح، يعيش كثيرون منهم في مآوي مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات الأساسية، حسب منظمة الهجرة الدولية.
يقول مدير الوحدة التنفيذية للنازحين بمدينة التربة، أسام المشرقي، إن إحصائيات النازحين في الريف الجنوبي للمحافظة بلغت نحو 1766 أسرة موزعة على قرى مديرية الشمايتين.
وأوضح المشرقي لـ “ريف اليمن” أن عددًا من الأسر تمكنت، بجهود ذاتية، من تجاوز جزء من العقبات المعيشية وتوفير مصادر دخل مكنتها من تلبية الاحتياجات الأساسية لأفرادها، وتحسين ظروفها الراهنة في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد.
مواضيع مقترحة
- الصرف الصحي.. خطر صامت في مخيمات النازحين
- كيف تُضاعف التغيرات المناخية معاناة النازحين؟
- العيد في مخيمات النزوح: فرحة مؤجلة وذكريات لا تموت
كفاح لأجل العيش
تروي أسماء علي 38 عاما، وهو نازحة من مديرية الوازعية غربا، إلى قرية الأحكوم بمديرية الشمايتين جنوبا، فصول مأساتها التي بدأت عام 2017 حين أجبرتها الحرب على مغادرة منزلها، وتقول: “انتقلنا إلى بيئة غريبة تفتقر لأدنى المقومات الأساسية، ما دفعني لمواجهة مشاق الحياة والبحث عن مصدر رزق أساند به زوجي وأوفر متطلبات أطفالي”.
وخلال حديثها لـ “ريف اليمن”، استعرضت أسماء بداياتها الشاقة، حيث كانت تعمل بالأجر اليومي مع نساء المنطقة من الصباح وحتى الظهيرة مقابل مبالغ زهيدة، وفي عام 2019 استطاعت من خلال ادخار تلك الأجور شراء “رأس ماعز” ليكون نواة لمشروع تربية حيوانات صغير، حتى أصبحت اليوم تمتلك قطيعاً من الأغنام والدجاج والأرانب، تعتمد عليها لتوفير احتياجاتها للبقاء.
وتستذكر أسماء الدوافع التي أجبرتها على الكفاح قائلة: “كان دافعي الوحيد هو حاجة أطفالي؛ فقد كنا نعجز عن توفير لقمة العيش أو الملابس، حتى إن أطفالي كانوا يمشون حفاة الأقدام في ظل منزل يخلو من الأثاث”.

في عام 2020، استطاعت أسماء استئجار قطعة أرض من أحد جيرانها في منطقة النزوح، حيث شرعت في زراعتها للحصول على كميات محدودة من القمح البلدي وتوفير الأعلاف لمواشيها، وتطمح أسماء اليوم في أن يحظى زوجها بفرصة عمل مستقرة تعينهما على تحسين وضعهما المعيشي، وضمان حق أطفالهما في التعليم.
بين قسوة النزوح والأعمال
هاني محمد (56 عاماً) هو الآخر يختزل مأساة آلاف النازحين الذين شردتهم الحرب؛ فمنذ نزوحه عام 2015 من حي حوض الأشرف، شرقي مدينة تعز، إلى منطقة “التربة” جنوباً، وجد نفسه وعائلته في خيمة مهترئة لا تقيهم تقلبات المناخ القاسية، بعد أن كان يعيش حياة مستقرة وميسورة بصفته متعاقداً مع مكتب المالية بالمحافظة.
تحول مسار حياة هاني من موظف إداري إلى سائق دراجة نارية مستأجرة، في رحلة شاقة لتأمين لقمة العيش إذ يقول لـ”ريف اليمن”: “أجبرتني الظروف على صراع الواقع لتوفير الاحتياجات الأساسية، وبعد فترة من العمل المضني، تمكنت من ادخار مبلغ مالي لمساعدة زوجتي في إطلاق مشروعها الخاص لصناعة المعجنات والحلويات”.
وفي عام 2019 بدأ المشروع المنزلي الصغير ببيع المنتجات في الأعراس والمدارس، ليتطور لاحقاً بفضل إصرار زوجته بشرى، التي طورت مهاراتها عبر دورات تدريبية ومنصات الإنترنت، وبحصولها على تمويل عبر برنامج “الادخار والإقراض”، تمكنت من توسيع نشاطها وإدارة مقصف مدرسي خاص بها في المنطقة.
سونيا البركاني: فرص العمل لا تزال ضئيلة نتيجة ضعف التدريب المهني فضلاً عن الصعوبات البالغة التي تواجه النساء النازحات
توضح بشرى لـ”ريف اليمن” أن العائق الأكبر كان يتمثل في توفير رأس المال والموازنة بين أعباء العمل ورعاية الأسرة، مشيدةً بالدور المحوري لزوجها الذي كان الداعم الأول لها.
وأضافت: “لقد أحدث هذا المشروع تحولاً جذرياً في حياتنا، ليس فقط على المستوى المادي وتحسن الدخل، بل على الصعيد النفسي أيضاً؛ فأصبحنا نؤمن وجباتنا الثلاث بانتظام بعد معاناة طويلة”.
وتابعت: “لقد غير النزوح نظرتي للعمل ولذاتي؛ فبالرغم من حصولي سابقاً على شهادة جامعية، إلا أنني لم أشعر بقيمتي الحقيقية إلا حينما صقلتني الظروف الصعبة، وجعلت مني امرأة قوية قادرة على الاعتماد على نفسها وصناعة التغيير”.
غياب المساعدات
لا يختلف المشهد في مخيم الحبيل بعزلة الصافية عن بقية مخيمات النزوح، حيث يواجه نحو 98 نازحاً ونازحة، قدموا من محافظات حجة وصنعاء ومناطق بتعز، تحديات معيشية قاسية في ظل شح المشاريع الخدمية.
وبحسب منسقة المخيم، سونيا البركاني، فإن حياة السكان هناك تتأرجح بين الاعتماد المحدود على مساعدات المنظمات والجمعيات الخيرية، وبين الجهود الذاتية لمعيلي الأسر الذين يمارسون مهناً شاقة بأجور يومية زهيدة، مثل رعاية الأغنام وصيانة الدراجات النارية.
وتوضح البركاني لـ”ريف اليمن” أن قسوة الظروف حوّلت المخيم إلى مساحة للاندماج الاقتصادي الاضطراري؛ إذ ساهمت برامج التدريب وورش تعليم الخياطة، وصناعة الكعك، وصيانة الهواتف، في تعزيز الروابط المجتمعية وتوفير بدائل للدخل.

ومن قلب المعاناة، برزت نماذج للصمود مثل مفيد عبده 42 عاما، الذي حول خيمته المتواضعة في عام 2023 إلى بقالة صغيرة توفر الاحتياجات الأساسية، سعياً للاستقلال المادي وتأمين لقمة العيش لأطفاله الخمسة.
وعلى الرغم من المبادرات، لفتت البركاني إلى أن فرص العمل لا تزال ضئيلة نتيجة ضعف التدريب المهني المتخصص، فضلاً عن الصعوبات البالغة التي تواجه النساء النازحات في الوصول إلى سوق العمل أو الحصول على تسهيلات مالية.
وأكدت المنسقة أن تحقيق الاستقرار الفعلي يتطلب تدخلاً عاجلاً يشمل تحسين المأوى لحماية الأسر من التقلبات الجوية، وتوفير السلع الغذائية بانتظام، إلى جانب تعزيز الإصحاح البيئي وشبكات المياه والصرف الصحي.
وشددت البركاني على أن التقييم الدقيق والمستمر للاحتياجات هو حجر الزاوية لضمان وصول الدعم لمستحقيه، وتحويل حياة النازحين من مرحلة البقاء إلى الاستقرار والكرامة.
أخبار ذات صلة.