الحرب التي انتصر فيها الجميع.. إلّا الشعوب
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
في كلّ مرّة تضع فيها الحروب أوزارها، يتكرّر المشهد نفسه، سباقٌ محموم على إعلان النصر، لا أحد ينتظر نتائج نهائية، ولا قراءة هادئة للوقائع، بل تتقدّم البيانات على الحقائق، وتعلو الروايات على ما خلّفته الأرض من خراب ودمار وقتل. وما إن تمّ الإعلان عن هدنة الأربعة عشر يوماً بين واشنطن وطهران، حتى سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إعلان الانتصار العظيم، وقال إنّ الولايات المتحدة حقّقت نصراً كاملاً وشاملاً بعد التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مدّة أسبوعين مع إيران. وأكّد أنّ أهداف المواجهة قد تحقّقت، وأنّ الرسائل العسكرية والسياسية وصلت بوضوح إلى خصومه. كذلك تحدّثت المُتحدّثة باسم البيت الأبيض عمّا سمّته نجاحاً مدروساً في إدارة التصعيد وتحقيق الأهداف. في المقابل، جاء البيان الإيراني ليقدّم رواية مُختلفة في الشكل، مُتطابقة في الجوهر، إذ أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أنّ طهران لم تتراجع تحت الضغط، بل فرضت قواعد اشتباك جديدة، وأثبتت قدرتها على الردّ والمواجهة، وأعلن المجلس أنّ "العدو مُني بهزيمة تاريخية ساحقة لا يمكن إنكارها". كأنّ هذه الحرب كانت ساحة اختبار نظري، لا أرضاً مأهولة بالبشر، ولا واقعاً مثقلاً بالخسارات كما اعتبرت طهران ما جرى انتصاراً تاريخياً لها، وقالت إنها قبلت بهذا الوقف المؤقّت للقتال بناء على نصيحة المرشد الأعلى مُجتبى خامنئي. وعمّت احتفالات النصر الشوارع والساحات في عدّة مناطق في إيران. إسرائيلياً، لم يختلف الخطاب كثيراً، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعلن أنّ الجيش الإسرائيلي حقّق إنجازات نوعية، ووجّه ضربات مؤلمة لخصومه، مُعتبراً أنّ ما جرى أعاد ترميم قوّة الردع وضمن أمن إسرائيل في مرحلة بالغة الحساسية. ولم يختلف الخطاب في لبنان كثيراً، إذ تحدّث حزب الله عن "نصر" جديد، وإنجازات ميدانية كبيرة وتكبيد الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة وإفشال محاولات التقدّم في القرى الأمامية، وعن فرض توازنات ميدانية حالت دون تحقيق العدو أهدافه. هكذا، تتقاطع بيانات النصر من واشنطن إلى طهران، مروراً بتل أبيب وبيروت، الجميع انتصر، أو هكذا يقول، الجميع حقق أهدافه، أو هكذا يدّعي، وكأنّ هذه الحرب كانت ساحة اختبار نظري، لا أرضاً مأهولة بالبشر، ولا واقعاً مثقلاً بالخسارات. حرب انتصر بها الجميع، وخسرها فقط أولئك الذين عاشوا تفاصيلها لكن، بعيداً عن اللغة السياسية المصقولة، تكشف الوقائع وجهاً آخر لا يظهر في البيانات. من الذي خسر فعلاً؟ الخاسر ليس من أعلن النصر، ولا من صاغ عباراته بعناية، الخاسر هو ذاك الذي دفع ثمن هذه الحرب، هو المدني الذي استيقظ على صوت القصف، ونام على خوفٍ مفتوح، هو العائلة التي تهجّرت من منزلها، لتبدأ حياة جديدة في الخيام والمحال والأماكن غير الصالحة للسكن بلا ضمانات، هو الطفل الذي فقد والديه وبات يتيماً، هو الأم التي فقدت أبناءها، والوالد الذي فقد عائلته ودوره الأساسي بتأمين عنصر الأمان لأطفاله، هو صاحب العمل الذي خسر مصدر رزقه، والمزارع الذي فقد أرضه، والطالب الذي علّق مستقبله على إيقاع الحرب. في هذه الحروب، لا تكون الأرض سوى ساحة لتقاطع المصالح، ولا يكون الإنسان سوى تفصيلٍ في معادلة أكبر، فيما يُعاد إنتاج مفهوم "النصر" بما يتناسب مع حاجة كل طرف لتثبيت موقعه. هي الحرب التي انتصر فيها الجميع، وخسرها فقط أولئك الذين عاشوا تفاصيلها، يوماً بيوم، وخسِروا فيها أكثر مما يمكن لأي بيان أن يعوّضه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية