عربي
متأثراً ومدفوعاً بعصارة أفكار مناحيم بيغن ومذكراته التي صيغت في شكلِ كتابٍ يدعى "التمرد"، هاجر نجل ناتان تسيفي، وحنّة، حفيد الحاخام الشهير موشيه ليتر في العام 1978 إلى فلسطين المحتلة. فمن مدينة سكرانتون بولاية بنسلفانيا الأميركية، التي ولد فيها عام 1959، ثم نشأ على أفكار بيتٍ صهيوني ديني خالص، حطت رحال يحيئيل ليتر في مستوطنة "كريات أربع" بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة. في المستوطنة، التحق ليتر بينما كان لا يزال في الثامنة عشرة من عمره في برنامج "يشيفات هيسدر" حتّى تلقى في العام 1984 الإجازة في السلك الحاخامي.
الرجل الذي عُيّن في بداية العام 2025 سفيراً لإسرائيل لدى الولايات المتحدة، والتحق منذ الثمانينيات بجيش الاحتلال إبان غزوه لبنان؛ حيث عمل مسعفاً حربياً في سلاح المدفعية، يعود هذه الأيام ليحتل العناوين باعتباره الرجل المعيّن من رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، لإدارة مفاوضات تحت النار مع بيروت. فعلى محاولات إخضاع الأخيرة لم يُنصّب ليتر عبثاً؛ إذ تقوم رؤيته تجاه لبنان على أنّ أي علاقة، أيّاً كان مسماها، ينبغي أن تكون مشروطة بالكامل.
وهكذا، يرى أن التقارب أو "السلام" مع لبنان يكون مشروطاً بداية بنزع سلاح حزب الله، وفصل لبنان عن إيران. وبحسب رأيه، هذا هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار والفرص الاقتصادية المشتركة، التي ينبغي أن تكون جزءاً من "اتفاقيات أبراهام". وفي ما يخصه، وقف إطلاق النار يتجاوز كونه "اتفاقاً"، فهو اختبار متواصل للبنان. أمّا في ما يخص إيران، فقد عبّر عن معارضته لمفاوضات الولايات المتحدة معها، باعتبار أنّ قادة الأولى متشددون، وبعضهم مثل رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف كانوا في الحرس الثوري، ومن ثم لا يمكن الوثوق بهم. وفي ما يخص دول الخليج، يعتبر ليتر أنه ينبغي توقيع اتفاقيات تطبيع معها، خصوصاً مع السعودية، باعتبار ذلك مفتاحاً للتغيير في المنطقة.
في نهاية العام 2023، ظهر ليتر في جنازة ابنه الجندي، موشيه ليتر، الذي قتل خلال مشاركته في حرب الإبادة على غزة. في الجنازة العسكرية ناشد ليتر الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، بالامتناع عن ممارسة أي ضغط على إسرائيل بهدف وقف الحرب. وقال حينها: "إن صحت الشائعات عن ممارستك ضغوطاً لوقف الحرب، فأنا أدعوك أن تتراجع يا سيدي الرئيس. لا تضغط علينا. دعنا نفعل ما نعرف كيف نفعله، بل ما يجب أن نفعله، لهزيمة الشر"، واصفاً الحرب على القطاع بأنها "حرب وجودية، والنور ضد الظلام، والحقيقة ضد الأكاذيب، حرب المدنية ضد الهمجية القاتلة". وتوعّد يومها: "سننتصر في هذه الحرب، بكم أو من دونكم. سنفوز بها بكل تأكيد، لأننا شعب البقاء، وهذه المعركة هي معركة البقاء".
السفير الذي يتبنى مواقف متطرفة، يحمل درجة بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة ولاية نيويورك، وبكالوريوس آخر في القانون من كلية "شعاري مشباط"، كما حصل على ماجستير في العلاقات الدولية من جامعة "سالف ريجينا"، وأنهى الدكتوراه في الفلسفة السياسية في جامعة حيفا. ظهر بين طلائع المستوطنين في منطقة "أرض يِشاي" في الخليل، وبدأ التدريس في مؤسسات دينية في القدس. في 1986 أسس "صندوق الخليل"، وترأس لاحقاً لجنة "مستوطنة الخليل اليهودية". في التسعينيات، انتقل ليتر مع عائلته إلى مستوطنة "عيلي"، وهناك أسس "قسم الشؤون الخارجية" في مجلس "يشع" (مجلس مستوطنات الضفة الغربية) وترأسه حتى عام 1996، وفي أثناء ذلك عمل مع وزير البنية التحتية الوطنية آنذاك، أرئيل شارون.
لاحقاً أسس منظمة "صندوق إسرائيل الواحدة" التي دعمت المستوطنين وجمعت أموالاً خدمة لتوسيع المشروع الاستيطاني في الضفة، وحاربت الاتفاقيات السياسية التي اقترحها رئيس الحكومة الاسرائيلية سابقاً، إيهود باراك، في مفاوضات كامب ديفيد. وفي العام 2004، عُين ليتر رئيساً لمكتب نتنياهو في وزارة المالية، وعام 2006 انضم بصفته مستشاراً سياسياً إلى المركز الإسرائيلي للشؤون العامة والسياسة العامة. وشغل فيما بعد منصبي نائب المدير العام في وزارة التعليم ورئيس مجلس الإدارة المؤقت لشركة موانئ إسرائيل بالإنابة. كما ترشح عام 2008 ضمن قائمة حزب الليكود لانتخابات الكنيست.
وإلى جانب ذلك، عمل ليتر في مراكز بحثية وفكرية سياسية محافظة، مثل منتدى "كوهيليت" الذي يُعد الذراع البحثية اليمينية لحكومة نتنياهو منذ العام 2012؛ وهو أيضاً المنتدى الذي تُعد أبحاثه وتوصياته السبب الرئيس وراء ما عُرف بـ"الانقلاب القضائي" في إسرائيل، كما أسس المنتدى شبكة من المنظمات الاستيطانية البحثية التي أثرت بشكل كبير في دفع إدارة دونالد ترامب خلال الولاية الأولى للاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على الجولان السوري المحتل.
فضلاً عما سبق، عُرف ليتر بمواقفه الداعمة للاستيطان إذ حاول ولا يزال التأثير في قرار الولايات المتحدة تحت حكم ترامب للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الضفة. كما عُرف بانتمائه، وفقاً لوسائل إعلام إسرائيلية عدّة، إلى رابطة الدفاع اليهودية التي أسسها الحاخام اليميني المتطرف، مئير كهانا. وهي ذاتها التي صنفتها واشنطن منظمة إرهابية بسبب ارتكابها أعمالاً إرهابية وجرائم وعلى رأسها اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، إسحاق رابين.
لدى تعيينه سفيراً في واشنطن مع عودة ترامب إلى سُدة الحكم في ولايته الثانية، وصف نتنياهو ليتر بأنه "دبلوماسي موهوب، فصيح وصاحب فهم عميق للثقافة والسياسة الأميركية". أمّا وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، فوصفه بـ"الصهيوني الفخور" وذلك نظراً إلى "التزامه ببناء الأرض وتعزيز الرواية الصهيونية".
ومن المفترض أن يُعقد يوم الثلاثاء المقبل، اجتماع في مقر الخارجية الأميركية بواشنطن للبحث في إعلان وقف لإطلاق النار وموعد بدء التفاوض بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، على ما أكدته الرئاسة اللبنانية في بيان لها أمس الجمعة. أمّا ليتر نفسه، فرغم تأكيده موافقة تل أبيب على عقد هذا الاجتماع، نفى أن تكون الأخيرة قد وافقت "على مناقشة وقف إطلاق النار مع حزب الله الذي يواصل مهاجمة إسرائيل"؛ بحسب ما أورد موقع "يسرائيل هيوم".

أخبار ذات صلة.
أزمة التحويلات الطبية في غزة
العربي الجديد
منذ 6 دقائق