عربي
مع وصول الوفدين الإيراني والأميركي إلى باكستان وعقد لقاءات مكثفة هناك قبيل انطلاق المفاوضات المباشرة بين الجانبين، يبرز سؤال محوري يتعلق بمصير هذه المفاوضات: هل ستفضي إلى اتفاق أم لا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تبدو شديدة الصعوبة، بل إنّ الطرفين المعنيين بالمفاوضات قد لا يملكان في هذه اللحظة جواباً واضحاً عنه؛ فكيف بمراقب يقف خارج ساحة التفاوض ولا يطّلع على تفاصيله الدقيقة.
ومع ذلك، قد يساعد البحث عن إجابة لسؤال آخر في مقاربة مصير هذه المفاوضات. ويتمثل هذا السؤال في الدافع الذي حمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على السعي إلى وقف إطلاق النار وقبوله. ويمكن في هذا السياق تصور احتمالين رئيسيين: الأول أن يكون ترامب قد سعى إلى إيجاد "مخرج مشرّف" من حرب مكلفة بعد محاولة لصناعة صورة إعلامية صاخبة تُرسم عبر تحديد مهلل والتهديد بقصف منشآت الطاقة والكهرباء. أما الاحتمال الثاني فهو أنه كان يسعى فقط إلى شراء وقت قصير، سواء بهدف إعادة انتشار القوات وتعزيز القدرات وإرسال معدات جديدة، أو من أجل حشد حلف شمال الأطلسي (ناتو) ودول أخرى للمشاركة في إعادة فتح مضيق هرمز، أو احتواء التداعيات الاقتصادية للحرب، ولا سيما داخل الولايات المتحدة.
فإذا افترضنا صحة الاحتمال الأول، فذلك يعني وجود قدر من الجدية لدى ترامب في السعي إلى اتفاق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة قبوله بكل ما تطالب به طهران أو الموافقة على الورقة ذات البنود العشرة بصيغتها الحالية. فعلى الرغم من فشل الحرب في تحقيق أهدافها، لا يميل ترامب، وكذلك المعارضون للحرب داخل الولايات المتحدة، إلى اتفاق يبدو بمثابة استسلام. ومن هذا المنظور، فإن الاتفاق الممكن عند ترامب هو ذاك الذي يمنحه هامشاً كافياً للمناورة وتقديم نفسه في صورة "المنتصر"، مثل التوصل إلى حلول مشتركة لحل القضايا الخلافية في الملف النووي، أو إعادة طرح الامتيازات الاقتصادية التي نوقشت قبل الحرب في صيغة جديدة.
أما إذا كان الهدف من وقف إطلاق النار مجرد شراء الوقت تمهيداً لاستئناف الحرب، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً؛ إذ لن يقبل ترامب في هذه الحالة إلا باتفاق يلبّي على الأقل معظم مطالبه القصوى.
وفي جميع الأحوال، يبدو أن ترامب يحاول استخدام ورقة التهديد باستئناف الحرب وقصف محطات توليد الكهرباء لدفع المفاوضات نحو اتفاق يلبي شروطه، في حين تسعى إيران إلى تحويل صمودها ومقاومتها طوال أربعين يوماً إلى "انتصار سياسي استراتيجي". وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام هذه المفاوضات أنه هل يمكن لهذين النهجين المتباعدين أن يلتقيا عند نقطة تفاعل تسمح بإبرام صفقة؟ إنها مهمة شديدة الصعوبة.
وبغضّ النظر عن عدم تحقق أهداف الحرب، يتمثل أبرز تطور حتى الآن في السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز؛ وهو أمر لم يكن ممكناً في الظروف العادية، وقد منح طهران ورقة ضغط قوية في المفاوضات وعلى الولايات المتحدة. قد ترى إيران في إدارة هذا المضيق مكسباً ملموساً ذا منافع تتجاوز حتى أي اتفاق محتمل مع واشنطن، الأمر الذي قد يدفعها إلى تبنّي موقف متشدد في المفاوضات. وحتى في حال الوصول إلى اتفاق، فمن المستبعد أن توافق على الأقل على عودة وضع مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب، لكن رغم الوصول إلى حلول مشتركة بشأن هذه القضية المعقدة يبقى قائماً.
