عربي
قال وزير المالية المصري أحمد كجوك، اليوم السبت، إنّ موازنة مصر للسنة المالية 2026-2027، تعكس "إعادة توزيع واضحة للموارد" لمصلحة قطاعات الصحة والتعليم، في محاولة لاحتواء الضغوط الاجتماعية، في وقت تواجه فيه المالية العامة انتقادات متزايدة بسبب ارتفاع الدين العام وتنامي الاعتماد على الإيرادات الضريبية. وتبدأ السنة المالية في مصر أول يوليو/ تموز من كل عام وتنتهي في 30 يونيو/ حزيران من العام التالي.
وأوضح كجوك، في مؤتمر صحافي، أنّ الحكومة رفعت مخصصات الصحة بنحو 30% والتعليم 20%، مؤكداً أنّ الأولوية في الموازنة الجديدة "لتحسين جودة الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين مباشرةً"، في ظل تداعيات اقتصادية مستمرة ألقت بظلالها على مستويات المعيشة تمثلت في عودة التضخم للارتفاع وزيادة أسعار السلع والخدمات. وأضاف وزير المالية أنّ هذه الزيادات تأتي ضمن توجه أوسع لإعادة توجيه الإنفاق العام، مع نمو إجمالي المصروفات بنحو 13.5%، بما يعكس، بحسب قوله: "حرصاً على تحقيق التوازن بين الانضباط المالي والاستجابة للاحتياجات الاجتماعية".
تتضمن الموازنة التي سترسل للبرلمان نهاية الأسبوع الجاري، زيادة مخصصات قطاع الصحة، بما يشمل 90.5 مليار جنيه (نحو 1.8 مليار دولار) لهيئة الشراء الموحد لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب 47.5 مليار جنيه للعلاج على نفقة الدولة ودعم التأمين الصحي، في زيادة سنوية كبيرة تبلغ 69%، تشمل توسعاً تدريجياً في تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل. خصصت الحكومة 7.8 مليارات جنيه لطباعة الكتب الدراسية و7 مليارات جنيه للتغذية المدرسية، في مؤشر على استمرار التركيز على مكونات الإنفاق الأساسية، بالتوازي مع خطط تطوير البنية التحتية والخدمات.
يقول برلمانيون إنّ هذه الخطوة تعكس محاولة واضحة "لإعادة ضبط أولويات الإنفاق العام"، لكنها تأتي في سياق ضغوط مالية حادة تحد من قدرة الحكومة في مصر على التوسع الكبير في الإنفاق الاجتماعي. في المقابل، رصدت الحكومة 90 مليار جنيه لبرامج دعم النشاط الاقتصادي، تتضمن 48 مليار جنيه لرد الأعباء التصديرية، و6 مليارات جنيه تمويلات ميسرة للقطاعات الإنتاجية، إضافة إلى حوافز للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والصناعات ذات الأولوية.
وقال كجوك إنّ هذه الحزم تستهدف "تعزيز الإنتاج والتصنيع وزيادة تنافسية الصادرات"، في إطار مساعٍ لتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، مبيناً أن الموازنة العامة خصصت 6.7 مليارات جنيه لدعم السياحة وزيادة الطاقة الفندقية، و5.5 مليارات جنيه لدعم صناعة السيارات، مع التركيز على جذب استثمارات في المركبات صديقة البيئة. وأكد الوزير أنّ الحكومة تستهدف تحقيق نمو اقتصادي في مصر عند 5.4%، معتبراً أنّ "الشراكة مع القطاع الخاص تمثل ركيزة أساسية" في هذا المسار، في ظل توجه متزايد لتقليص دور الدولة المباشر في النشاط الاقتصادي.
توجه الحكومة لزيادة مخصصات التعليم والصحية، لم يخلُ من انتقادات، إذ يشير عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل ناجي الشهابي في تصريح لـ"العربي الجديد" إلى أنّ إعادة توزيع الموارد، رغم أهميتها، لا تعالج جذور الاختلالات المالية، وعلى رأسها الارتفاع المستمر في الدين العام وتكلفة خدمته، محذراً من أنّ توسع الحكومة الإنفاق، حتى وإن كان موجهاً اجتماعياً، يأتي في وقت تلتهم فيه خدمة الدين نسبة كبيرة من الموازنة، بما يحد من المرونة المالية ويضغط على بنود الإنفاق الأخرى. كذلك تواجه الحكومة انتقادات متصاعدة بسبب الاعتماد المتزايد على الإيرادات الضريبية مصدراً رئيسياً للتمويل، في ظل ضعف نسبي في الإيرادات غير الضريبية، وهو ما يثير مخاوف في مصر بشأن تأثير ذلك بالنشاط الاقتصادي والقطاع الخاص.
تعكس موازنة 2027/2026، بحسب اقتصاديين، محاولة لإدارة معادلة صعبة تتعلق بتوسيع الإنفاق الاجتماعي لامتصاص الضغوط المعيشية، مقابل الحفاظ على استقرار المالية العامة في بيئة تتسم بارتفاع تكلفة التمويل وتقلبات اقتصادية مستمرة، لافتين إلى أنّ الحكومة تراهن على إعادة توجيه الموارد وتحفيز الإنتاج ليقودا نمواً أكثر استدامة، بينما يبقى تنفيذ هذه الأهداف مرهوناً بقدرتها على احتواء الضغوط المرتبطة بالدين وتعزيز كفاءة الإنفاق، وتحسين بيئة الأعمال في مصر واستقرار السياسات الاقتصادية أمام المستثمرين.
(الدولار = 53.09 جنيهاً مصرياً تقريباً)
