الرشادبرس-تقرير
تفاقمت معاناة سكان مدينة تعز وضواحيها جراء قفزاتٍ سعرية غير مسبوقة في قيم مياه الشرب، ما دفع بالأهالي إلى إطلاق صرخات استغاثةٍ عاجلة للسلطات المحلية، محذرين من كارثة إنسانية وشيكة تتخلق في رحم الأزمة الحالية.
وأفاد مواطنون بأن مالكي صهاريج نقل المياه (الوايتات) استثمروا شُحَّ الإمدادات لفرض أسعارٍ فلكية، مما ضاعف الأعباء المعيشية في مدينةٍ تترنح أصلاً تحت وطأة حصارٍ خانق وتهالكٍ حاد في الخدمات الأساسية.
أرقامٌ صادمة: صراعٌ مرير مع الظمأ
تكشف المؤشرات الميدانية لشهر مارس المنصرم عن فجوةٍ سحيقة بين العرض والطلب؛ حيث تشير تقارير حقوقية إلى أن الشبكة العامة للمياه لا تغطي سوى 29% من احتياجات السكان، مما يترك 71% من المواطنين رهن غلاء القطاع الخاص وتوحش السوق السوداء.
ووفقاً للرصد الميداني، فقد قفز سعر الصهاريج (سعة 3000 لتر) إلى نحو 60,000 ريال يمني، بينما تجاوزت الصهاريج الكبيرة (سعة 6000 لتر) حاجز 100,000 ريال في الأحياء المرتفعة؛ وهو مبلغٌ يفوق الدخل الشهري لمعظم الأسر المعتمدة على الرواتب الحكومية.
جفاف الآبار وتلوث المـ.ـصادر
لم تقف الأزمـ.ـة عند التكلفة المادية، بل طالت جودة المياه وصلاحيتها. ويصف المواطن “حكيم المشرحي” حال حي الروضة قائلاً: “يعاني الأهالي انعداماً شبه تام للمياه، وإن وُجدت فبأثمانٍ خيالية لا نطيقها، والكارثة أن معظمها مـ.ـلوثٌ وغير صالح للاستهلاك الآدمي، مما يـ.ـهدد صحة أطفالنا”.
وتعزو مصادر فنية هذا التدهور إلى جفاف أكثر من 620 بئراً ونقطة مياه نتيجة الاستنزاف العشوائي، مما يضطر الصهاريج لقطع مسافات شاقة صوب “وادي الضباب”، وهو ما يُحمل المستهلك أعباء إضافية لثمن الوقود.
جـ.ـذور الأزمـ.ـة: الحـ.ـصار والجبـ.ـايات
تتداخل العوامل الميدانية والسياسية لتخنق الشرايين المتبقية للمدينة، ويمكن إجمالها في:
عسـ.ـكرة الموارد: وقوع المنابع الرئيسية ومحطات الضخ في مناطق التماس العسـ.ـكري “سـ.ـيطرة المـ.ـليـ.ـشـيا الحـ.ـوثـ.ـية”، مما جعل المياه مادةً للمقايضة السياسية.
تهالك البنية التحتية: غياب الصيانة للشبكات المدمرة، وانعدام المشاريع الاستراتيجية المواكبة للنمو السكاني.
الجبـ.ـايات غير القانونية: يشكو السائقون من إتـ.ـاواتٍ تُفرض في النقاط الأمـ.ـنية، يجرى تحصيلها لاحقاً من كاهل المواطن.
الاستثمار في المعاناة: تحول بعض الآبار إلى إقطاعيات ربحية لمتنفذين يفرضون تسعيراتهم بعيداً عن رقابة الدولة.
تحذيرات من انفـ.ـجار صحي
حذر عاملون في القطاع الصحي من تبعاتٍ وخيمة؛ إذ أدى نقص المياه النظيفة إلى ارتفاع حالات الاشتباه بالـ.ـكوليرا والأمـ.ـراض الجلدية، نتيجة لجوء الأسر الفقيرة والنازحين — الذين يتجاوز عددهم 70 ألفاً داخل المدينة — إلى مصادر مياه مكشوفة ومـ.ـلوثة.
خاتمة ورؤية:
إنَّ أزمة المياه في تعز ليست مجرد انعكاسٍ لشُح الأمطار أو جفاف الآبار، بل هي تكثيفٌ لواقع الحـ.ـرب التي تُدار بأدوات “العطش” و”الجوع”. إنَّ تحول قطرة الماء من حقٍ إنساني مكفول إلى سلعةٍ خاضعة للمضاربة في السوق السوداء يعكس غياباً تاماً للدور الرقابي للسلطة المحلية، وفشلاً ذريعاً في حماية الأمن الحيوي للمواطن.
إنَّ المطلوب اليوم يتجاوز مجرد “توزيع المعونات”؛ المطلوب هو “إدارة الأزمة” عبر فرض تسعيرة جبرية صارمة، وحماية طرق الإمداد من الجبـ.ـايات، والضغط الدولي لفتح الممرات المائية وتحييدها عن الصـ.ـراع. إنَّ بقاء تعز رهينةً لـ “تـ.ـجار الحـ.ـروب” الذين يتاجرون بظمأ الأطفال يضع الجهات المعنية والمجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية لا تسقط بالتقادم. فالموت عطشاً في مدينةٍ تحيط بها الجبال والوديان هو وصمة عارٍ في جبين كل من يملك القدرة على التدخل وصمت.
http://أزمة المياه في “تعز” ترفع الأسعار وتفاقم المعاناة الإنسانية
أخبار ذات صلة.