العراق يُفرَّغ من الصحافيين الأجانب
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
دفع اختطاف الصحافية الأميركية شيلي كتلسون في بغداد، وما رافقها من تهديدات أمنية متصاعدة في سياق الحرب الأخيرة، عشرات الصحافيين الأجانب إلى مغادرة العراق بشكل متسارع، استجابةً لتحذيرات رسمية من سفاراتهم، لا سيما الأميركية والبريطانية، وسط مخاوف متزايدة من تحوّل البلاد إلى بيئة طاردة للعمل الصحافي، في ظل تصاعد نفوذ الفصائل المسلحة وتكرار استهداف الإعلاميين. اختُطفت شيلي كتلسون في 31 مارس/ آذار الماضي من وسط العاصمة العراقية، على يد عناصر من جماعة كتائب حزب الله العراقية التي أعلنت إطلاق سراحها في السابع من إبريل/ نيسان الحالي، عبر بيان نقله المتحدث باسمها أبو مجاهد العساف، قال فيه إن الإفراج جاء "تقديراً للمواقف الوطنية لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني". وطالب الصحافية بمغادرة البلاد فوراً، مؤكداً أن "هذه المبادرة لن تتكرر مرة أخرى في قادم الأيام"، وأضاف أن الجماعة تعتبر نفسها "في حالة حرب شنها العدو الصهيوأميركي ضد الإسلام، وفي مثل هذه الحالات يسقط الكثير من الاعتبارات". وتعد كتائب حزب الله العراقية من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لطهران، وكثّفت، منذ بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، عبر مليشيات مرتبطة بها وبفصائل أخرى، هجماتها على مواقع أميركية في المنطقة، شملت قواعد ومنشآت مدنية وعسكرية. كما تُتهم الجماعة بالوقوف وراء عمليات اختطاف واغتيال استهدفت ناشطين وصحافيين وباحثين أجانب، من بينهم الباحثة الإسرائيلية الروسية إليزابيث تسوركوف التي صرّحت بعد الإفراج عنها بأن الجماعة اختطفتها وعذّبتها. وعقب أسبوع من إطلاق سراح كتلسون، أكد الناطق باسم الحكومة العراقية باسم العوادي أن "الحكومة العراقية تعاملت باهتمام بالغ وبإشراف مباشر مع قضية اختطاف المواطنة الأجنبية"، وأشار إلى أن "الأجهزة الأمنية المختصة اضطلعت بمهامها بكفاءة ومهنية عالية، ما أسفر عن تأمين إطلاق سراحها". وأضاف، في تصريح نقلته وكالة الأنباء العراقية الرسمية، أن "الحادثة تمثل جريمة مرفوضة لا يمكن التسامح معها، ولا يمكن التهاون مع أفعال مماثلة تحت أي ظرف، لما تحمله من إساءة إلى سمعة العراق ومكانته الدولية"، وأكد "التزام الحكومة بحماية جميع المقيمين والبعثات الدبلوماسية بما يعكس حرص بغداد على علاقاتها الدولية والتزاماتها القانونية". غير أن هذه التصريحات، وما سبقها من مواقف رسمية مماثلة، لم تمنع الصحافيين والصحافيات الأجانب، وخصوصاً الأميركيين والبريطانيين، من مغادرة العراق خلال الأسابيع الماضية، على خلفية التهديدات الأمنية. إذ انتقل عدد كبير منهم إلى أربيل في إقليم كردستان، فيما غادر آخرون البلاد براً إلى الأردن وتركيا، في وقت فضّل فيه عدد محدود البقاء داخل بغداد ضمن إجراءات أمنية مشددة، شملت ملازمة أماكن الإقامة القريبة من السفارات، أو البقاء داخل فنادق معروفة بتحصيناتها الأمنية. وفي هذا السياق، تواصلت "العربي الجديد" مع صحافيين عراقيين يعملون مع مؤسسات إعلامية وصحف أميركية وبريطانية، أكدوا أن "معظم" زملائهم الأجانب غادروا بغداد، وأفادوا بأن موجة المغادرة بدأت عقب حادثة قصف فندق الرشيد في العاصمة، منتصف الشهر الماضي، والذي كان يضم غرفاً ومكاتب لعدد كبير من وكالات الأنباء الأجنبية ومراسلي الصحف ووسائل الإعلام الأميركية. لم يبقَ في بغداد سوى أقل من 10 صحافيين أجانب وفق شهادات ميدانية وأضاف أحد هؤلاء الصحافيين، متحدثاً لـ"العربي الجديد"، أن "استمرار استهداف الإعلاميين والصحافيين الأجانب يشكل تهديداً مباشراً لحرية العمل الصحافي، ويجعل العراق معزولاً بطريقة لا تخدم الملفات المهمة"، وحذّر من أن البلاد "تتحول تدريجياً إلى دائرة فارغة من الباحثين، كما كان الحال قبل عام 2003"، وأشار إلى أن عدد الصحافيين الأجانب المتبقين في بغداد لا يتجاوز عشرة صحافيين، لافتاً إلى أن تحركاتهم باتت محدودة للغاية، في ظل صعوبة الخروج أو الاحتكاك الميداني، حتى في الأماكن العامة مثل المقاهي. وتعكس هذه التطورات واقعاً أوسع يتعلق بتدهور بيئة العمل الصحافي في العراق، إذ احتل البلد المرتبة 155 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025 الذي أعدته منظمة مراسلون بلا حدود، في ظل "بيئة أمنية هشّة"، حيث "يواجه الصحافيون تهديدات مستمرة في ظل ضعف الدولة ومؤسساتها التي تتقاعس عن حمايتهم". وفي هذا السياق، أكدت المنظمة أن الاعتداءات على الصحافيين "تصاعدت بشكل ملحوظ، سواء عبر العنف المباشر أو الترهيب والتهديد، فيما باتت عمليات الاختطاف والتهديد بالقتل أساليب شائعة لإسكات الأصوات الإعلامية. وغالباً ما تمر هذه الانتهاكات من دون محاسبة، في ظل تحقيقات نادرة لا تفضي إلى نتائج، ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب". وفي هذا الإطار، قال الصحافي العراقي عمر أحمد، لـ"العربي الجديد"، إن "ثقافة الإفلات من العقاب من أبرز التحديات التي تواجه الصحافة في العراق، إذ نادراً ما يُحاسب المسؤولون عن استهداف الصحافيين المحليين والأجانب منذ عام 2003، ما يسمح بتكرار هذه الجرائم من دون رادع". وأضاف أن "حوادث اختطاف الصحافيات والباحثات الأجنبيات تزيد من صعوبة وصول الصحافة الأجنبية إلى العراق، وتُبقي البلاد ضمن دائرة أخطر دول العالم على العمل الصحافي"، ولفت إلى أن تزايد حالات الاختطاف يحمل رسائل مباشرة من الجهات الخاطفة، ولا سيما الفصائل المسلحة، مفادها أنه "لا مكان للصحافة الأجنبية"، التي تُتهم، في خطاب تلك الجهات، بالتجسس والعمل لصالح الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهو تصور "غير صحيح بالضرورة". وأوضح أن العنف ضد الصحافيين لا يقتصر على الاستهداف الجسدي، بل يمتد إلى الرقابة وتقييد المحتوى، في إطار سعي تلك الجهات إلى فرض روايتها على المشهد الإعلامي، عبر الترهيب أو الترويض.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية